حتى يتبيّن لهم أنه الحق

 الحقيقة الكبرى القائمة على البرهان

www.evidencebasedtruth.net

 

 

 

للمراسلة

mumen.mamoun@diraneyya.com

الزائر رقم Website counter


 

المحتويات                      

حتى يتبيّن لهم أنه الحق...    الحقيقة الكبرى القائمة على البرهان   

 

1تمهيد: الحقيقة والبرهان

هذه الحقيقة

دعوة للتفكّر والاطمئنان

المسألة التي شغلت الإنسان

بين الإرث والاختيار

مقدمة صغيرة حول المعرفة

مقدمة لا بد منها حول أنواع الحقائق والبراهين

الطريق إلى الحقيقة الكبرى

2الجزء الأول من الحقيقة حقيقة الخالق حقيقة فوق كلّ برهان

البحث الأزلي

هذه الخليقة المذهلة

العناية

الحقيقة الصارخة وراء هذه الخليقة

صوت الفطرة العالي

ما وراء هذه الحقيقة

بحث الفلاسفة عن الحقيقة

العلم يدعو للإيمان

أيّة صدفة!

نظرية التطوّر.. بين التزوير العلمي والإفساد الإنساني

واقع الملحدين

العائدون إلى الله

الحقيقة الناقصة

اللاأدريّون.. موقف الأنعام

الطريق إلى المجتمع الفاضل

بقية الحقيقة

3الجزء الثاني من الحقيقة: الرِّسالة القائمة على البرهان

البحث عن الرسالة

الرسالة الخاتمة

لا يأتون بمثله

الكتاب المحفوظ

القرآن والعلم

آيات بيّنات

لغة القرآن

الذين دفعوا ثمن هذه الحقيقة

الأمة التي صنعها هذا الدين

كلمات الله.. نعمة كبرى

المعجزة الخالدة

الطمأنينة التي نجدها في كلمات الله

4الجزء الثالث من الحقيقة: السبيل القائم على البرهان

عندما تتعدد السُّبل

النقل الشفهي الموثّق

ما وفّق الله إليه هذه الأمة

مبادئ في تبيّن السبيل القويم

حقيقة ذات هامش عريض لا يترك مجالاً للشك

حياة في ظلال البرهان

قد وقفنا على أرض صلبة

5الجزء الأخير: هذه الحقيقة على الأرض

الذين حملوا هذه الحقيقة

النموذج

البشريّة التائهة و شريعة السماء

الاقتصاد الإسلامي مثالاً

الذين أنكروا هذه الحقيقة

الإيمان حقيقة أخلاقية

6خاتمة: لنمشي نحو الطمأنينة والنجاة

هذه الحقيقة

قل هاتوا برهانكم

خطوات إلى الحقيقة..

النعمة الكبرى والغاية الأسمى

الطمأنينة التي ننشدها

تساؤل.. ونداء

في النهاية..

لنشهد شهادة الحق..

عناوين


     

حتى يتبيّن لهم أنه الحق

 الحقيقة الكبرى القائمة على البرهان

 


 

  

1

 

تمهيد:

 

الحقيقة والبرهان


 

 


 

هذه الحقيقة

 

أتيت أتحدّث عن الحقيقة.. الحقيقة الكبرى..

لست بواعظ، وقد لا يحبّ الناس سماع المواعظ، ولست أحبّ في هذا الموضع أن أكون واعظاً..

إنما هو طريق إلى الحقيقة.

 

لم آت في هذه الدراسة بجديد ولا مبتدع، إنما هو مدخل آخر إلى ذات الحقيقة..

الحقيقة الكبرى التي شغلت الإنسان منذ وُجد أكثر من أي شأن آخر.

 

هي حقيقة تكتنفها البساطة.. لكن هذا لا يقلل من قيمة هذه الحقيقة.. لنتذكر أن الحقائق الضخمة في الحياة التي تجعل في حياتنا فرقاً كبيراً هي في الغالب حقائق بسيطة. والحقيقة المعنيّ بها كلّ الناس يجب أن تكون بسيطة، فإن لم تكن كذلك فهي ليست حقيقة لكلّ الناس.

هي الحقيقة القائمة على البرهان، برهان العقل وبرهان القلب..

الحقيقة التي لو تُرِكت النفوس على فطرتها الأصلية لقادت أصحابها إليها دون عناء..

 

الحقيقة التي بدونها تصبح الحياة عبثيّة يظلّلها الشقاء، وتنتهي بمصير لا يتمنّاه أحد..

الحقيقة التي تقودنا إلى السعادة الحقيقية والإحساس بالأمان..

الحقيقة التي لا بديل عنها..

 

 

دعوة للتفكّر والاطمئنان

 

هذه ليست دعوةً عشوائيةً للشكّ بل هي دعوةٌ لليقين، وليست دعوةً لترك ما نحن عليه، لكنها دعوةٌ للتفكّر والاطمئنان إلى ما نحمله، وهذا أمر مطلوب محمود غير مذموم، يسير غير عسير. التفكّر بإعمال عقل نحمله في رؤوسنا في كل مكان، ونَجِد الحرية في استخدامه في كل زمان، ومن ثم الاطمئنان والمضي على الطريق بثباتٍ لا يزعزعه شكٌّ ولا فتنة عن الحقِّ الذي عرفناه وآمنّا به، ونزداد به ثقة وعليه ثباتاً.

 

 

المسألة التي شغلت الإنسان

 

هذه هي القضية الكبرى التي شغلت الإنسان عبر التاريخ البشري منذ وجد نفسه على هذا الكوكب. وحُقَّ لها أن تشغل كل إنسان جدير بإنسانيّته، بما تسبغه عليه هذه الإنسانية من عقل مميّز للحق وقلب يطمئن إلى هذا الحق، يرتفع بها عن سائر المخلوقات؛ البهائم، التي لها من حياتها الشهوات والغرائز فحسب. القضية الكُبرى هي البحث عن الحقيقة ثم العيش في كَنَف هذه الحقيقة بعد العثور عليها.

إن إنسانية الإنسان تبقى ضاغطة مُلحّة عليه حتى ينفّس عنها بإجابات لا غِنى عنها لأسئلة لا مهرَب منها. كيف ومن أين أتى وإلى أين يمضي؟ وأي قِيَم يعيش في ظلالها ويعمل من أجلها؟ بغير ذلك يرتدّ بهيمة تهيم على سطح هذه الأرض تبحث عن طعام ومأوى وتجنح بها رغبات وشهوات وغرائز لا تعدو أن تكون بهيميّة.

 

 

 

 

بين الإرث والاختيار

 

يفتح كلّ إنسان عينيه على هذا الدنيا، وقد ولد لأبوين يرعيانه في صغره، ويبدأ عقله بالنضوج شيئاً فشيئاً، فيجد نفسه على بقعة من الأرض، محاطاً بمجموعة من الناس يتحدّثون اللغة التي نشأ عليها ويهتمّون بأمره، في وسط مجتمع يحمل أفكاراً ومعتقدات وتراثاً وانتماءات. ويبدأ يتعلّم من والديه مع هذه المجموعة من الناس كلّ ما يؤمنون به ويعيشون معه، ويتوقّعون منه مشاركتهم في أفكارهم، والانتماء لهذا المجتمع بكل ما فيه من إرث، واحترام قِيَمه وتقاليده. وهذا وضع معقول في كثير من أجزائه، فعلى المرء أن يكون ممتنّاً لوالديه الذين أتوا به إلى هذه الحياة ورعوه عندما كان بأمسّ الحاجة إلى هذه الرعاية، وأن يحترم الانتماء إلى المجتمع الذي نشأ فيه وعاش في ظلاله.

من المعقول والمقبول أن يرث المرء ويتشارك مع المجتمع الذي وُلد ونشأ فيه شيئاً من تراثٍ وانتماء ولغة وأساليب حياة، وأن يحبّ قومه ويتحدّث لغتهم، ويحتفل بأعيادهم الوطنية وتراثهم الشعبي، ويشجّع فريقهم الرياضي ويرتدي زيّهم الوطني، ويشاركهم أفراحهم وأتراحهم.

وليس من الصواب أن يذهب أبعد من ذلك، فيختار اختيارات في الحياة تتعارض مع رغباته وتوجّهاته ورؤيته وقناعاته. أما أن يرث اعتقاداً يفسِّر له الوجود الذي يحيط به والحياة التي سبقت والمصير الذي سيؤول إليه، ويفرض عليه التزاماتٍ ويحرمه من أشياء، لا لشيءٍ إلا لأنه ورِث هذا الاعتقاد، فهو ثمنٌ كبير لمجرد إرث.

ما كان المرء ليختار دراسة ولا مهنة يُمضي فيها عمره في مجال يكرهه أو لا يحسنه تحت ضغوط اجتماعية، وما كان المرء ليتزوّج من يكره مراعاة لتقاليد واعتبارات قِبليّة، وإن حدث مثل ذلك فليس هذا صواباً. نصرّ في مثل هذه الظروف أن نحصل على اختيارنا، فكيف نرضى أن نضع هذه المسألة المركزيّة في حياتنا في منطقة الموروث خارج منطقة الاختيار؟ يجب أن نفكّر ونتفكّر بالاعتقاد الذي نشأنا عليه ولا أقول نتركه. نتفكّر فيه حتى نطمئن إليه.. عندها يصبح اختيارنا.

نحن نسعى أن ننصف أنفسنا في كل عمل نعمله وكل ثمن ندفعه. ننصف أنفسنا أن نتلقى العائد المجزي في وظيفة نشغلها، وننصف أنفسنا في سلعة نشتريها فندفع فيها ما تستحقه، ونكره أن نبذل في أي شيء أكثر من الثمرة التي سنحصل عليها. كيف إذن نبذل الكثير من الجهد بل نبذل عمرنا كله في أمر لم نتبيّن صحته ولم نتيقّن من ثمرته التي ننتظرها. أفلا ننصف أنفسنا في أعمارنا؟ إن من حق كلّ إنسان أن يتفكر في اعتقاده ويتبيّن الحق الذي هو عليه، أو ينتقل إلى الحق إذا كان على غيره. لا يوجد في حياتنا أمر أثمن من هذا يستحق منا وقفة طويلة حتى نرى الحقيقة ناصعة ونتبيّن طريقاً صحيحاً واضحاً بيّناً نسير عليه.

 

 

مقدمة صغيرة حول المعرفة

 

منذ بدأ الإنسان يجول في هذا الكون وجد في نفسه شوقاً إلى المعرفة، فبدأ أولاً يسبر غور الكون بكل ما فيه ويكتشف المخبوء منه، ثم سار يحاول أن يفهم ويفسّر ما يجده حوله وما يخطر بباله من مسائل.

في الجانب الأول من المعرفة، الذي آل إلى ما يُسمى بالعلوم الطبيعية، وصل فيه الإنسان إلى منهج علمي صحيح في تحصيل وتوثيق الحقائق العلمية، وبقي على برّ الأمان في هذا القطاع من المعرفة، لأن هذه العلوم كانت مقيّدة بحواس الإنسان ومدركاته وخاصة التجريبية منها، وانحصر زيغ الإنسان في هذه العلوم بالغرور الذي أصابه، فظن بعضهم وهم يكتشفون ويفهمون ويفسّرون الخليقة العظيمة أنهم صانعوها.

أما في الجانب الثاني من المعرفة؛ العلوم الإنسانية، فقد وصل فيه الإنسان إلى قواعد منطقية وطرق وأساليب في إثبات ونفي واستنباط الحقائق وبناء بعضها على بعض، لكنه ضلّ أحياناً عندما تجاهل كثير من الفلاسفة حقيقة مهمة؛ وهي أن للعقل البشري حدوداً وأن هناك أمورٌ لا يدركها هذا العقل، فلا يمكن أن نُخضع له أمراً لا يستطيع إدراكه، بينما كان هذا الأمر أكثر وضوحاً للمشتغلين بالعلوم الطبيعية، فلم يتجاوزوا حواسهم ومدركاتهم إلا في النظريات التي سمّوها نظريات تمييزاً لها عن الحقائق العلمية المثبتة.

 

ثمة حقائق نستطيع إدراكها لأنها موضوعة بين أيدينا، وثمة حقائق ليست بهذا القرب لكنّ حاجتنا لها أكبر ويصعب أن نحيا بدونها. نحتاج إلى الحقيقة التي نطمئن إليها حتى لا نعيش هائمين على وجوهنا لا ندري من أين أتينا وإلى أين المصير.

 

 

مقدمة لا بد منها حول أنواع الحقائق والبراهين

 

حديثنا هو عن الحقيقة القائمة على البرهان، لكن حتى نكون مبصرين منصفين في تناول الحقائق، والبراهين التي نطلبها، علينا أن نفهم طبيعة هذه الحقائق والبراهين. بين العلوم التي عرفها الإنسان هناك علوم طبيعية وعلوم إنسانية. وإذا كانت العلوم الطبيعية قابلة للقياس والاختبار فليست كلّ العلوم على نفس الشاكلة. وبالرغم من أن المسائل الإنسانية تؤثر في حياتنا أكثر من المسائل العلمية، لكن العلوم الإنسانية ذات طبيعة مختلفة وبراهين مختلفة لا ترقى إلى البراهين العلمية. لن يكون إثبات أمور متفق عليها في التربية والإدارة مثلاً مثل إثبات مسائل فيزيائيّة أو رياضيّة. يدرك مثلاً أكثر الناس أن التربية القاسية والمبالغة في العقاب هي مما لا تحمد عقباه وليست طريقة سويّة في التربية، وأن التربية بكثير من الحب والتفهّم مع شيء من الحزم أفضل نتيجة من التربية بالسياط، وقد نسوق أدلّة على ذلك، ومثل ذلك مسائل في الإدارة والتعامل مع الناس. فمع وضوح بعض هذه المسائل لكثير من الناس إلا أنه لا توجد ضمانات أن لا يكابر فيها مكابر، بينما لا يستطيع أن يكابر في مسألة فيزيائية، وهذا نتيجة الاختلاف في طبيعة المسائل العلمية عن الإنسانية. وثمّة مسائل تقع بين المنطقتين فنجدها أكثر قابلية للإثبات من المسائل الإنسانية لكن إثباتها لا يرقى إلى إثبات المسائل العلمية التجريبية. لذلك فعلى من يطلب برهاناً في مسألة يجب عليه أن يقبل البرهان الذي تُتِيحُه طبيعة هذه المسألة ولا يتعسّف.

 

الوجه الآخر والأهم في تناول الحقائق أن ندرك أن ثمة حقائق علمية مجرّدة وحقائق أخلاقية. الحقائق العلمية مثل قوانين العلوم الطبيعية كالرياضيات والفيزياء والكيمياء يمكن لكل ناظر أن يدركها ولا يملك الواحد أصلاً إلا الاعتراف بها، ولا مجال فيها للمكابرة، ويستوي في رؤيتها أهل الخير والشر، ولا فضيلة في الاعتراف بها ولا يستحق المقرّ بها تقديراً ولا مكافأة. بينما الحقائق الأخلاقية كثيراً ما يكابر فيها المكابرون، وقد لا تتضح إلا للراغب في الحق الساعي إليه، وثمة فضيلة في الوقوف عليها والاعتراف بها.

ليس لأحد فضل في قبول قيمة الجذر التربيعي لعدد ما والموافقة على صحته، والذي ينكر ذلك إنما يقلل من شأن عقله ويضع نفسه في موقف يكرهه. لكن رؤية الحق في موقف يُظلم فيه الضعيف من القويّ ليست بمقدور كلّ الناس، وقد تلتبس على الناس مواقف يكون فيها عدم الإنصاف أقلّ وضوحاً. إن الوقوف على الحقائق الأخلاقية ليس أمراً سهلاً دائماً وفيه فضيلة لصاحب هذا الموقف، مثل حقائق العدل والمساواة بين الناس، ورفض التمييز العنصري وعبودية الإنسان للإنسان واستعمار الدول القوية للدول الضعيفة ونهب ثرواتها، والوقوف في وجه الظالم وتأييد المظلوم، وإعلان مثل هذه المواقف. هذه الحقائق تحتاج إلى نفوس منصفة حريصة على الخير ساعية إلى الحق لرؤيتها والوقوف عليها، وتتطلّب شجاعة وصبراً عندما يلزم دفع ثمن لهذه المواقف. وقد يقف أناس من هذه الحقائق موقفاً سلبياً أو حتى معادياً وينكرونها مراعاة لأهوائهم أو مصالحهم. شريعة الغاب هي الحقيقة التي تحكم الحياة عند بعضهم، فيبيحون للقوي أن يحصل على كل ما يستطيع وأن يأخذ حق من يقدر عليه، بينما ينظر آخرون بإنصاف فيرون أن العدل هو الحقيقة السائدة.

نرى هذه المشاهد بوضوح أكثر في أوساط ومجتمعات تسود فيها قيم فاسدة وتسيطر فيها قوى تتبنّى هذه القيم، تكون فيها مجرّد رؤية الحق تفتقر إلى الوضوح الكامل لمن لا يمعن النظر المنصف، وتصبح مواجهة هذه القيم الفاسدة السائدة والمدعومة من هذه القوى أمراً صعباً باهظ الثمن. لنتصوّر أحد النبلاء في روما القديمة يشاهد حلقة مثيرة من مصارعة حتى الموت بين اثنين من العبيد، ويبدأ في النظر باستنكار لهذا المشهد أمام الضغط الأخلاقي لضميره ويفكّر بمواجهة هذا الواقع الذي نشأ عليه، لكن لا يشاركه الكثيرون في هذه النظرة ولا يرون الذي يراه. ولنتصوّر شاباً نشأ قبل بضعة قرون في مزرعة أمريكية، يعمل فيها قطيع من العبيد الأفارقة الذين صادهم تجار البشر، وتم تسخيرهم ليعملوا عند السادة البيض، ما مقدار ما يشعر به حيال هذه الحقيقة الأخلاقية المنحّاة جانباً من جدول الأخلاقيات في ذلك الزمان؟ وهل يقدر على مواجهة ذلك المجتمع والوقوف في وجهه؟ وكيف كان شعور ضابط فرنسي يرى أنه يخدم وطنه في الجزائر؛ البلد المسروق من أهله الذي أراقت فرنسا على ترابه دم مليون من أبنائه وهم يدافعون عن بلدهم؟ وكيف يقف عاقل منصف في صعيد مصر في وجه عائلته التي تريد أخذ الثأر لقتيلها بقتل ابن القاتل؛ الطفل البريء الذي لم يجنِ شيئاً إلا أنه ولد لأب ارتكب جريمة القتل هذه؟ وهم يرون الحق والصواب في الجريمة التي يريدون الإقدام عليها. وكيف يمكن لمنصف الوقوف في وجه قيم جاهلية ظالمة باقية في بعض مجتمعاتنا وكثير من الناس لا يرون في هذه القيم عيباً ولا ظلماً؟  إن رؤية مثل هذه الحقائق الأخلاقية في مثل هذه المشاهد والتصديق بها والدفاع عنها هي فضيلة لا يستطيع الوصول إليها إلا المنصفون الخيّرون الباحثون عن الحق، ويستحقون على ذلك التقدير. وهذا كان حال المصلحين ومن وقف معهم خلال التاريخ.

 

والحقيقة الكبرى التي نحن بصددها هي حقيقة أخلاقية قبل كل شيء، يقبلها العقل ويطمئن إليها القلب، وتراها النفوس الخيّرة المنصفة الباحثة عن الحق بصدق، وترى البرهان عليها وتطمئن إليه، وتنصرف عنها النفوس المكابرة متبعة الهوى.

 

 

الطريق إلى الحقيقة الكبرى

 

هذه الحقيقة التي نبحث عنها لها جانبان؛ جانبٌ عقليّ نصل إليه بعقولنا ونهتدي إليه بالتفكير الصحيح، وجانبٌ نقليّ نصل إليه بالخبر الصادق الذي نتبيّن صدقه، تماماً كما في العلوم البشرية علوم عقليّة تجريبية كالرياضيات والفيزياء والكيمياء، وعلوم نقليّة كاللغة والتاريخ. فبينما نستطيع إثبات أو إبطال حقائق الكيمياء أو الفيزياء بالدراسة والتجربة، فلا يمكنا إثبات أو إنكار خبر تاريخي إلا بمحاولة التوثق من صحة هذا الخبر، من خلال دراسة الطريق الذي نقل فيه والاستدلال بمضمون الخبر أحياناً.

 

هذه الحقيقة قريبة وواضحة وميسور الوصول إليها، يقود إليها العقل السليم والفطرة السليمة الأصلية.

هذه الحقيقة الكبرى تتألف من ثلاثة أجزاء.. نتناولها جزءاً جزءاً.

 

 



 

2

 

الجزء الأول من الحقيقة:

 

حقيقة الخالق.. حقيقة فوق كلّ برهان



 

البحث الأزلي

 

ما زال الإنسان منذ فجر التاريخ، منذ وجد نفسه على هذه الأرض وبدأ يجول فيها، يبحث عن حاجاته، المادية منها وغير المادية. حاجات الجسد التي يستوي فيها مع الحيوانات من مأكل ومشرب وشهوة ومأوى، وحاجات العقل والنفس والروح التي ينفرد بها الإنسان.

على رأس هذه الحاجات النفسية والعقلية والروحية كانت الحاجة إلى الهداية التي جعلت الإنسان يبحث عن الحقيقة منذ القِدم. ولئن كان البحث عن الحقيقة بشكل عام مطلب للإنسان، فإن البحث عن الحقيقة الكبرى والبحث عن برهان هذه الحقيقة هي حاجة أساسية لكلّ إنسان يحسّ بإنسانيته، ولا يرتقي إليها إلا بهذه الحقيقة، وبدونها يرتكس إلى حياة بهيمية تستغرقها الشهوات.

بدأ الإنسان أولاً يبحث عن ضرورات الحياة؛ ما يسدُّ به رمقه من مأكل ومشرب، وما يدفع عنه برودة الشتاء وحرّ الصيف، وما يؤويه ويحميه مما يتهدّده من الأخطار وعدوان الحيوان والإنسان. بعد ذلك انتقل بحثه إلى تفسير لهذا الوجود والحياة، والتفكير في أصله الذي ينحدر منه ومصيره الذي سيؤول إليه، من أين أتى ومن الذي أتى به وإلى أين سينتهي، ومعرفة أصل العالم الذي يعيش فيه وما سيصير إليه. وسرعان ما هداه عقله وتفكيره أن لهذا الخلق خالقاً، وهداه قلبه وفطرته أن يلوذ بهذا الخالق، والضعيف يلوذ دائماً بالقوي. كيف لا يفعل وهو يرى كلّ المخلوقات محدودة القوة والقدرات ومحدودة العيش والبقاء؟ وكيف لا يلوذ بمن لا حدود لقوته وقدرته، ولا بداية له ولا نهاية؟

وبينما ننظر في خلقنا فنرى هذا الجسم المذهل بتكوينه ووظائفه، نجد معه جزءاً غير مادّي؛ نجد لدينا عقلاً يميّز ويختار، ونجد لدينا نفساً مفطورة على أشياء. كلّ ذلك موجود ضمن هذا الخلق نحسّ به وندركه ولا نبصره.

 

والآن.. في عصر العلم والمعرفة القائمة على الدليل والبرهان، وفي عصر الطب القائم على البرهان عند أهل الطبّ، نجد أنفسنا معنيّين أكثر بطلب الحقيقة.. الحقيقة القائمة على البرهان.

 

 

هذه الخليقة المذهلة

 

عندما ينظر الإنسان بإنصاف إلى نفسه والكون من حوله لا يستطيع إلا أن ينبهر ويبقى مبهوراً ويزداد انبهاراً يوماً بعد يوم. وفي عصر العلم ينظر العالم المتبصّر والإنسان المنصف فيرى أيّ جسم هذا الذي يحمله، وكلّما أبحرنا في رؤية الأجزاء المتناهية الصغر وما تحمله من تركيبات معقدة نزداد انبهاراً. وننظر حولنا فنرى أيّ كون هذا الذي يحيط بنا، وكلّما أبحرنا في رؤية الكون الشاسع بمسافاته اللامتناهية التي لا ندرك أطرافها أبداً أيضاً نزداد انبهاراً.

 

ومذهلة هي الحياة بأسرارها الغامضة، فالكائن الحي مهما كان من البساطة والبدائية لا يأتي إلا من كائن حي مثله، هذه الحقيقة حاول نقضها كثيرون لكنها بقيت دائماً ثابتة وستبقى كذلك. قال "هِيكل"[1] ذات يوم أنه لو أُعطي ماء ومواد كيماوية ووقتاً كافياً لاستطاع أن يخلق إنساناً. لكن لا هِيكل ولا غيره استطاع صنع خلية ولا حتى تركيب بروتوبلازم؛ المادة الحية الفريدة.

يقول "كمبفرت"[2]: "أين نقف عندما نواجه بسرِّ الحياة؟ نحن نقف أمام حائط من الغرانيت الصلب لمّا نخدشه بعد. نحن حقيقة نجهل تماماً ماهيّة الحياة وماهيّة النمو".[3]

وأثبت "باستور"[4] بالتجربة العلمية في يوم من أيام العلم العظيمة أن الحياة لا تنبثق إلا من حياة.

 

ومذهلة هذه الأحياء كلّها بتركيباتها المتنوعة وغرائزها العجيبة ومجتمعاتها الغريبة، التي تجعل منها أمماً أمثالنا على غرار المجتمعات الإنسانية التي نعرفها، في طيف هائل من الأحياء البدائية والنباتية والحيوانية، تعيش معنا على هذه الأرض في تعايش وتوازن دقيق بين هذه المجموعات من المخلوقات المختلفة.

 

ومذهل تكوين الإنسان بخلاياه المئة ترليون الموزعة في أنسجته المتعددة الأشكال والمهام وأعضائه المتخصصة، هذه الخلية التي لا ترى بالعين المجرّدة تكاد تكون عالماً صغيراً قائماً بذاته يحكمه نظام دقيق ومحكم، ويغلي بالحركة والنشاط الذي لا يتوقف، مولدات الطاقة تستقبل الأكسجين وتعمل لإمداد الخلية باحتياجاتها من الطاقة مخزونة في مركبات كيماوية هي بطاريات بيولوجية تتناقلها الخلية، والمصانع الكيماوية تشتغل لتصنيع البروتينات المختلفة التراكيب والوظائف، منها ما يُستخدم في بناء وترميم وتجديد أنسجة الجسم ومنها ما له وظائف متخصصة وعلى درجة عالية من التعقيد، وشبكة نقل سريعة توصل المواد إلى أماكنها، والبوابات تعمل بدقة في إدخال المواد المطلوبة وإخراج المواد المنتجة أو النفايات ليتم نقلها بعد ذلك بشبكة النقل الخارجية إلى أماكنها، وإدارة هذه الخلية الصغيرة قابعة في النواة الصغيرة جداً تنظم هذا العالم الصغير، وتحمل كلّ واحدة من هذه الأنوية الشفرة الوراثية لصاحب هذا الجسم، مكتوبة في جدائل الحمض النووي التي يبلغ طولها مترين ملفوفة في النواة الصغيرة التي لا ترى إلا بالمجهر الكهربي، مكتوبة بحروف من قواعد كيماوية نووية صغيرة في مكتبة رقمية كبيرة فيها كلّ تفاصيل جسم وصفات صاحبها، موجودة في نواة كلّ خلية من خلايا جسمه.

"وتشكيل هذه البروتينات المختلفة التراكيب والوظائف، من سلسلة أحماض أمينية ملائمة في ترتيب صحيح لا يكفي وحده لتكوين جزيء البروتين؛ فإلى جانب ذلك، يجب أن يكون كل نوع من الأنواع العشرين المختلفة للأحماض الأمينية الموجودة في تركيب البروتينات بروتيناً أعسر أو أيسر الاتجاه. إذ يوجد نوعان مختلفان من الأحماض الأمينية؛ أحدهما يعرف باسم الحمض الأعسر[5] والآخر بالحمض الأيمن[6]، ويكمن الفرق بينهما في تناظر المرآة[7] بين تركيبيهما ثلاثي الأبعاد المشابه لليد اليمنى واليسرى للإنسان. ومن السهل على أي نوع من نوعي الحمض الأميني أن يرتبط بالنوع الآخر. وقد كشفت البحوث حقيقة مذهلة ألا وهي: إن كل البروتينات الموجودة في النباتات والحيوانات، من أبسط كائن حي إلى أكثره تعقيداً، تتكون من أحماض أمينية عسراء. وحتى إذا ارتبط حمض أميني واحد أيمن بتركيب البروتين، يصبح هذا البروتين عديم الفائدة."[8]

وفي أجسامنا تقنية معلومات لا مثيل لها تنقل معلومات مشفرة في شحنات كهربائية دقيقة تسري داخل الخلايا وخارجها، ثم في شبكة عصبية هائلة من الأعصاب الحسّية والحركية والمختلطة، الأعصاب الحسية التي تحمل المعلومات عمّا نحسّ به بواسطة أعضاء الحواس من سمع وبصر وشمّ وذوق ولمس إلى الدماغ، أو المعلومات الحسية للمراكز الحيوية التي يتكفّل بها النخاع الشوكي، والأعصاب الحركية التي تنقل الإشارات من الدماغ والنخاع الشوكي إلى كل عضلة تتحرك في الجسم، الإراديّة منها كعضلات الأطراف وغير الإراديّة كعضلات القلب والتنفس.

وآليّات الجسم التنظيمية العصبية والهرمونيّة الفائقة الدقّة التي تضبط مجموعة هائلة من المتغيّرات ضمن المدى الوظيفي، وأجهزته المختلفة التي يتكفّل كلّ واحد منها بمهامّه المعقّدة، وقلبه الذي لا يكفّ عن الخفقان إلى مماته، ودماغه الذي يحتفظ بسجلّ حياته كلّها في "قرص غير صلب" من الأنسجة الرخوة، هذا الدماغ الذي نرى فيه حجم الفجوة بين الإنسان وغيره من المخلوقات، هذه الفجوة الضخمة بحد ذاتها لها مدلول علمي كبير ينقض الأكاذيب التي أُلبست لباس العلم. وما زلنا نتعرّف على المزيد يوماً بعد يوم.

كنت أقرأ في العدد الأخير من مجلة العلوم[9] (المجلة العلمية الأمريكية[10] في طبعتها العربية الصادرة عن مؤسسة الكويت للتقدم العلمي) تقريراً عن أبحاث جديدة على الدماغ، تتحدّث عن نشاط خفيّ له في أوقات الاسترخاء، فيما سمّوه "الطور الافتراضي"، وهو نشاط كهربائي ذو استهلاك عالٍ للطاقة يحدث في شبكة عصبية خاصة "شبكة الطور الافتراضي"، عندما تطلق الخلايا العصبية زخّات كهربائية كلّ 10 ثوانٍ تُدعى "الجهود القشرية البطيئة". وهذا النشاط ربما كان له دور كبير في الإدراك، فمقدار المعلومات التي تصل الدماغ من أعضاء الحواس قليلة نسبيّاً والإدراك الواعي  يعتمد أكثر على ما يتنبّأ  به الدماغ من معالجة المعلومات في هذا النشاط الخفي. والمثير أن نشاط الدماغ ينخفض عندما يكون بحالة يقظة، وكأننا نعطّله عن مهامه عندما نكون أكثر وعياً.

 

ومذهل أكثر الكون الذي يحيط بنا. لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس. هذا الكون الهائل الذي يحيط بنا، بما فيه من كمّ هائل من المادّة وكمّ هائل من الطاقة ومسافات شاسعة لا يحيط بها تصوّر، الذي نشأ قبل أكثر من عشرة مليارات سنة، كان على ما يراه العلماء كتلة صغيرة جداً كأنها ذرة، فيها مادة كثيفة جداً وطاقة مركزة جداً فوق كلّ تصوّر، ثم حدث "الانفجار العظيم"[11] الذي فتق هذا الرتق الهائل وملأه بدخان ساخن جداً، وبدأت المادة بالتوسّع والانتشار والحرارة المخيفة بالانخفاض التدريجي إلى درجة حرارة تسمح للذرات بالنشوء وللمادة بالبدء بالتكوّن. وبعد تكوّن الكون استمرّ بالتمدّد وما زال في توسّع لا يتوقّف كما اكتشف الفلكي الأمريكي "هَبل"[12] عام 1929، وهذه الظاهرة هي التي مكّنت العلماء من حساب عمر الكون البالغ 13.7 مليار سنة، وهي ظاهرة يكتنفها الكثير من الغموض لعدم وضوح القوة الدافعة لها والمضادة لجاذبية الأجرام التي يُتوقّع منها أن تؤدّي بالكون إلى التقلّص في ما يُعرف بظاهرة التثاقل.

وفي عام 1964 تمكن اثنان من علماء "مختبرات بل"[13] للأبحاث، وهما "بنزياس" و"وِلْسون"[14]، قَدَراً من اكتشاف البقايا الأثرية للإشعاع الحراري الكوني على هيئة ضوضاء لاسلكية (إشعاع الخلفية الميكروني الكوني CMBR [15]). وتم منحهما "جائزة نوبل" عام 1978 على اكتشافهما، الذي كان فيه الدليل المادي الملموس لدعم نظرية "الانفجار الكبير" والارتقاء بها إلى مقام الحقيقة شبه المؤكدة، ودفع بالغالبية الساحقة من علماء الفلك والفيزياء الفلكية إلى الاعتقاد بصحتها. وفي عام 1989 أطلقت وكالة "ناسا"[16] قمراً صناعياً لجمع المعلومات حول الإشعاع الحراري الكوني، أُطلق عليه اسم "كوبي" COBE[17]، وتم تزويده بأجهزة فائقة الحساسية أثبتت وجود تلك الأشعة الأثرية المتبقية عن عملية الانفجار العظيم، وأرسل ملايين الصور عن بقايا الدخان الأول الذي نتج عن الانفجار العظيم.[18]

 

وكثيراً ما لفت نظري أن تركيب المادة في مستوياتها الصغرى هو جسيمات صغيرة تسبح في فراغ واسع أكبر بكثير من حجم هذه الجسيمات، بشكل يشبه الأجرام السماوية التي تسبح في فضاء واسع، وتلك الجسيمات الصغيرة في حركة لا تهدأ كما هي الأجرام الكبيرة في مداراتها، لعلّ هذه وتلك تسبّح الخالق الذي خلقها رغم ما تبدو عليه من السكون. إدراك هذه الصورة؛ حجم الفراغ الهائل مقابل الحجم الفعلي الصغير للأجسام الحقيقية، يقرّب إلينا مفهوم حالة الكثافة العالية التي كان الكون عليها. والثقوب السوداء في الكون تقرّب هذه الصورة أكثر، تلك الأجرام المهيبة المظلمة شديدة الكثافة ذات الجاذبية الضخمة التي تسبح في الفضاء بسرعة وتبتلع أي جرم يقترب منها كمكنسة كهربائية عملاقة، هذه الأجرام الخُنّس (غير المرئية) الجَوارِ (الجارية في الفضاء) الكُنّس (تكنس كلّ ما هو في طريقها). ندرك هول هذه الأجسام إذا عرفنا أن كوكب الأرض لو استحال إلى ثقب أسود لكان حجمه أقلّ من سنتمتر واحد دون أن يفقد شيئاً من وزنه. ويتساءل العلماء عن نهاية هذا الكون كيف سيعود فينكمش من جديد ربما تحت تأثير التثاقل وقوى أخرى، فتجتمع الثقوب السوداء في الكون في ثقب أسود كبير مرعب يبتلع كلّ أجرام الكون فيما يسمّى "الانسحاق الشديد"[19]، ويُطوى هذا الكون كطيّ السجلّ للكتب، كما بدأ يعود.

هذا الكون ضخم وشاسع لدرجة تفوق قدرتنا على التصوّر. يبلغ قطر كُرتنا الأرضية نحو 12.750 كم ومحيطها نحو أربعين ألف كيلومتر، أي نحو عشرة أمثال قطر القمر، بينما يبلغ قطر الشمس أكثر من مئة ضعف قطر الأرض، ويوجد من النجوم ما هو أكبر من شمسنا بملايين المرات، وأكبر نجم اكتُشف يَكْبُر الشمس بتسعة بلايين مرة. ويبعُد القمر عن الأرض 384.400 كم أي مقدار محيط الأرض عشر مرات، بينما يبلغ بُعد الشمس 93 مليون ميل أي نحو 150 مليون كم. تبلغ سرعة الضوء 300 ألف كم بالثانية وهي أقصى سرعة في الكون، والدقيقة الضوئية هي مقياس للمسافة التي يقطعها الضوء في دقيقة وتعادل 18 مليون كم. وبينما يصل ضوء القمر إلينا في دقيقة وربع فإن رحلة الصاروخ الفضائي إلى القمر وعودته استغرقت ستة أيام، أما ضوء الشمس فيصل إلى الأرض في نحو ثمانية دقائق أي أنها تبعد عنا ثمانية دقائق ضوئية وتلك تساوي 93 مليون ميل، وتحتاج رحلة صاروخ فضائي إلى الشمس في أقصى سرعة يبلغها التي تقارب 20 ألف ميل في الساعة إلى ستة شهور من الطيران المتواصل. أما السنة الضوئية فهي المسافة التي يقطعها الضوء في سنة كاملة وتعادل قرابة 10 ترليون كم، وتحتاج رحلة الصاروخ الفضائي في أقصى سرعة له إلى 33 ألف سنة من الطيران المتواصل لتقطع مسافة سنة ضوئية واحدة وهي مدة أطول من التاريخ البشري المعروف. مجموعتنا الشمسية التي نعرفها ونعيش فيها على كوكب الأرض هي جزء من مجرّتنا الكبيرة "درب التبّانة"، التي تحتوي ملايين المجموعات الشمسية أو العناقيد النجميّة وفيها مئتيّ مليار نجم، ويبلغ قطرها نحو مئة ألف سنة ضوئية، والمجرّات العملاقة تحتوي الواحدة منها نحو بليون نجم ويبلغ حجمها نصف مليون سنة ضوئية. لم يدرك العلماء وجود ما هو أبعد من مجرّتنا قبل أن يكتشف هابل عام 1924 أن هناك مجرّات أخرى في الكون، ويُقدَّر عدد المجرّات بأكثر من بليون مجرّة، وأبعد مجرّة صُوِّرت تبعد أكثر من عشرة مليارات سنة ضوئية. ومن بين نجوم هذا الكون الهائل التي لا تحصى، نجد أقرب النجوم إلينا من خارج مجموعتنا الشمسية يبعد أكثر من 4 سنوات ضوئية، وعندما ننظر إلى هذا النجم نرى الضوء الآتي منه قبل أربع سنوات ونبصره في المكان الذي كان فيه وعلى هيئته التي كان عليها قبل أربع سنوات، ولو أنه انفجر الآن وانطفأ فسنرى ذلك ونعلم به بعد أربع سنوات، بينما النجوم البعيدة يبلغ بعدها ملايين بل مليارات السنوات الضوئية، أي أن النجوم التي نراها في السماء لا نراها كما هي حقيقة الآن، بل ننظر إلى مواقعها التي كانت فيها ونرى الضوء الذي انبعث منها قبل ملايين السنين أي في عصر الديناصورات. كم هو شاعريّ أن يقف زوجان في شهر العسل على شرفة غرفتهما في أمسية هادئة ينظران إلى السماء ويذكران أن النجوم التي يشاهدانها هي على هيأتها في أيام الديناصورات.

لقد توصّل التلسكوب الفضائي "هابل"[20]، الذي أطلق عام 1990 في مدار منخفض حول الأرض على ارتفاع 570 كم فوق سطح البحر، إلى التقاط صور تحبس الأنفاس لمجرّات بعيدة، وصور لميلاد نجوم في السدم الكونية البديعة. وهذا التلسكوب هو مشروع مشترك بين وكالة الفضاء الأمريكية "ناسا" ووكالة الفضاء الأوربية "إيسا"[21]، واستغرق إنشاؤه ثلاثة عشر عاماً وسمّي باسم الفلكي الأمريكي "هابل" بعد نحو أربعين عاماً من وفاته. ربما كانت هذه الصور هي أروع وأعظم صور حصلت عليها البشرية على الإطلاق.

أيّ مسافات هذه المسافات التي يصعب تخيّلها وأيّ كون مذهل هذا الذي يحيط بنا؟ لم يطّلع الإنسان أبداً على أطراف هذا الكون ولا يعرف أبداً أين ينتهي، وفكرة الوصول إلى أطرافه لا تبدو قابلة حتى للتخيّل في رواية من روايات الخيال العلمي. إن الإنسان مهما بلغ علمه وقدراته لن يستطيع في عُمره الذي يعيشه أن يصل إلى أطراف هذا الكون أو ما علمناه منه، وحتى لو بلغ سرعة الضوء في انتقاله وهذا مستحيل فسينقضي عُمره في خطوات صغيرة في كون شاسع. لن يستطيع أحد أبداً أن يبلغ أقطار السماوات.

وهذه الطاقة الهائلة التي نراها في الكون في نجوم مستعرة بالحرارة وأجرام منطلقة في الفضاء بلا توقّف، تستوقفنا كثيراً في زمن العلم والبحث عن الطاقة، ولا تقلّ إبهاراً عن الأجرام الهائلة.

 

وقد أثبتت قوانين الديناميكا الحرارية حقيقة ضخمة حار فيها العلماء والفلاسفة طويلاً، وتنصّ هذه القوانين على أن الحرارة تنتقل باستمرار من الأجسام الحارة إلى الأجسام الباردة، مما يحتم فقدانا تدريجياً للحرارة، وهذا يُثبت أن هذا الكون كانت له بداية وليس أزلياً كما قال بعض الفلاسفة والملحدين، فخالق الكون هو الأزليّ وليس الكون.

وحديثاً في أواسط العام 2011 احتفت "المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية"[22] ومعها الأوساط العلمية بنجاح تجربة "مصادم الهادرون"[23]، بإجراء تصادم بين الجسيمات على سرعات متناهية تكاد تقترب من سرعة الضوء، في محاكاة "الانفجار الكبير"، خلال التجربة التي أُجريت تحت الأرض على الحدود الفرنسية السويسرية. وقد اشترك في المشروع أكثر من عشرة آلاف عالِم من مئة دولة، وتُعَدُّ التجربة التي استغرق الإعداد لها أكثر من عشرين عاماً هي أكبر تجربة علمية في تاريخ البشرية وتكلفت عشرة مليارات دولار. يقول "د. ديفيد إيفانز" من جامعة "برمنجهام" والعضو في الفريق المشرف على تجربة تصادم الأيونات: "إن العملية جرت في بيئة آمنة وتحت السيطرة، وقد تمخضت عن قذائف ما دون الذرية في غاية الحرارة والكثافة، وناهزت درجة حرارتها عشرة تريليونات درجة".. وهي حرارة أكثر ارتفاعاً بمليون مرة عن حرارة قلب الشمس، ومن شأن هذه الحرارة أن تذيب حتى البروتونات والنيوترونات التي تشكل نواة الذرة حتى ينجم عن ذلك حساء من "الكواركات" و"الجلوون"[24] يُعتقد أنها الجبلة الأولى التي تمخض عنها الانفجار العظيم قبل 14 مليار سنة. ويوضح العلماء أن الانفجار الكبير وقع في رأيهم نظرياً، عندما انفجر جسم بحجم قطعة النقد المعدنية لها من الكثافة والحرارة ما لا يمكن وصفه أو تخيّله، وفي وسط من فراغ المادة؛ حيث بدأ بسرعة في التمدد والتوسع لتتكون النجوم وتظهر الكواكب، وبالتالي تنشأ الحياة، كما نعرفها على الأرض. ومن هنا كان للكون بداية، ولا بد له من مبدئ خالق.[25]

 

وهذا النظام البديع نلمسه بشدّة في العناصر المنتشرة في الأرض عندما ننظر إليها على جدول "مندليف"[26] الدوري للعناصر الكيماوية، الذي ظهر فيه المكان الفارغ للعناصر التي لم تكن قد اكتشفت بعد، ثم اكتشفت على الوزن الذري والخواص المتوقعة لها حسب مكانها على هذا الجدول الدوري. والتفاعلات بين ذرات العناصر ذات المدارات الثُمانيّة المنظمة، والمركبات البسيطة والمعقدة، غير العضويّة والعضويّة، في نظام محكم دقيق.

 

وحديث النسبيّة المثير في نظرية "آينشتاين"[27] عن نسبية الزمن يفتح آفاقاً واسعة للتفكير، ويتيح تخيّل عالم يتجاوز الإدراك البشري، فيستطيع الإنسان استيعاب عالم من الغيب الذي لا ندركه، إضافة إلى عالم الشهادة الذي نحسّ به.

وقد شاهدت مؤخراً برنامجاً علمياً عن "نظرية الأوتار"[28] التي تنظر للكون بطريقة مثيرة وغامضة، وبغضّ النظر عن نصيبها من الصحة فهي تقدّم رؤية لكَوْن تتداخل فيه العوالم في حيز واحد، مما يجعلنا قادرين على تخيل عالم الجنّ مثلاً وأن يرونا ولا نراهم ولا نرى عالمهم. لا أذكر هذه النظرية من قبيل الحقيقة العلمية بل من باب الرياضة العقلية.

 

هائل هذا الكون، يقشعرّ الجسم من تأمّله..

لننظر ونرى آيات الله في الآفاق وفي أنفسنا حتى يتبيّن لنا أنه الحق.

 

 

العناية

 

الجانب الآخر المثير للدهشة في الكون من حولنا هو أن كلّ شيء فيه يبدو مصنوعاً ليلائم حياة الإنسان، وما كانت حياتنا تصلح على أي شكل غيره. حجم الأرض والشمس والقمر، ودوران الأرض حول نفسها وحول الشمس ودوران القمر حولها، وبُعدها عن الشمس وبعد القمر عنها. لو كان حجم الأرض أكبر لزادت الجاذبية كثيراً ونقص سمك الغلاف الجوي واستحالت الحياة، ولو ابتعدت الأرض عن الشمس لنقصت الحرارة التي تأتينا منها ولو اقتربت لزادت الحرارة عن احتمالنا، ولو اقترب القمر من الأرض لزاد المدّ وزادت قوته بمقدار يزحزح الجبال ولأدّى مدّ الهواء إلى أعاصير هائلة.

والهواء المحيط بالأرض بمكوناته الدقيقة، ودورة الأكسجين وثاني أكسيد الكربون بين الإنسان والنبات، والنيتروجين وبخار الماء. والغلاف الجوي الذي يؤلّفه الهواء، والضغط الجوي الذي ينتج منه.

والماء الذي يغطي ثلاثة أرباع سطح الأرض هو أصل الحياة، خواصه المدهشة تجعله ملائماً للحياة، درجة ذوبانه العالية تجعله في الحالة السائلة في درجة الحرارة والضغط العاديين بينما كان يُتوقّع من وزنه الجزيئي 18 أن يكون غازيّاً في درجات حرارة أقلّ بكثير، وهو المادة الوحيدة التي تقلّ كثافتها عند التجمّد مما يجعل طبقة الجليد تطفو في أعلى أسطح البحيرات عندما يبدأ ماؤها بالتجمّد فيشكّل طبقة عازلة تحفظ الماء تحتها في درجات حرارة أعلى، فتبقى الأسماك وسائر الأحياء البحرية على قيد الحياة. وقابليته العالية للإذابة تجعله يدخل في مختلف العمليات الحيوية.

والتربة المدهشة الغنية بالمواد العضوية والمعدنية، والحياة النباتية التي تزدهر فيها بين الماء والهواء، وتحت ضوء الشمس الذي تلتقطه مصانع اليخضور ومولدات الطاقة في الأوراق الخضراء وتحيا به. من هذه التربة المعطاءة تخرج سنبلة القمح التي وجد فيها أكثر أهل الأرض قوتهم من أيام النبي يوسف عليه السلام وما قبل ذلك وما بعد ذلك إلى يومنا هذا، وعالم متنوّع من الطيبات التي تخرج من هذه الأرض الطيّبة، فنجد فيها طعاماً طيّباً تتغذّى به أجسامنا، وجمالاً أخضر تتذوّقه نفوسنا التوّاقة للجمال.

والحيوانات الكثيرة التي وجد فيها الإنسان ما يركبه وما يحمل أثقاله من بلد إلى آخر ما كان بالغه إلا بشقّ الأنفس، وما يأكله من لحمها وما يشربه من لبنها لبناً خالصاً سائغاً للشاربين، وما يسكنه في حلّه وترحاله وما يجلس عليه وما ويلبسه من جلودها وأصوافها وأوبارها وأشعارها، وما يحرسه، وما يستمتع بجماله وزينته.

وفوق كلّ ذلك ما حبانا الله به من نِعَم في أجسامنا، من سمع وبصر وإدراك، ويَدَيْن ورجلين، وكثير كثير غيرها، له الحمد على ما أنعم به علينا.

 

إن هذا الكون المخلوق قبل أكثر من عشرة مليارات سنة ليس مخلوقاً بدقّة هائلة فحسب، بل مخلوق بما يصلح لحياة الإنسان الذي ربما خُلق من نحو أربعين ألف سنة فقط، وقد يكون أكثر من ذلك[29] ولكنه لا يقارن بعمر الكون. كل جزء من هذا الكون الذي يحيط بنا في كلّ جوانبه ينطق أنه مُسخّر لهذا الإنسان. سخّره خالق الإنسان للإنسان.

 

هذه الحقيقة تزيد من يقيننا بالخالق وإحساسنا بقدرة الله وعظيم صنعه. وقد رأى فيها بعض الفلاسفة دليلاً قائماً بذاته على الخالق، فإن ملاءمة الخلق لمنفعة الإنسان تمنع احتمال المصادفة أكثر وأكثر، وأبرز من تكلم في ذلك ابن رشد وسمّاه دليل العناية، وفضّله على أدلة الفلاسفة النظرية المركبة كدليل الحدوث ودليل الوجوب.

كذلك هذه الحقيقة تملأ القلوب إحساساً بنعمة الله، فيزداد أهل الخير إقبالاً على معرفة الخالق المنعم والسعي لعبادته.

 

 

الحقيقة الصارخة وراء هذه الخليقة

 

إن العقل الذي به ننظر ونميّز ونحكم على ما نراه حولنا، ينظر في هذه الخليقة الباهرة ويزداد علماً واطّلاعاً يوماً بعد يوم، فلا يسعه إلا أن ينتهي إلى نتيجة مؤكدة؛ أن هذا الكون لم يخلق نفسه بل له خالق.. أن لهذا الكون الهائل خالقاً عظيماً. حقيقة بسيطة ولكنها ضخمة.

والإيمان بالخالق من المسائل التي تكاد تجمع عليها البشرية في كل العصور، لكنهم يختلفون في الطريق إليه، وفي ذلك كان الصراع بين الحق والباطل، أما منكرو الخالق فهم القلّة الشاذة في كلّ زمان.

 

 

 

صوت الفطرة العالي

 

وكما وجد الإنسان لديه عقلاً يدرك ويميّز ويختار، وجد لديه أيضاً نفساً مفطورة على الحق والخير تنادي. ولعلّ أعلى نداءات الفطرة صوتاً هو صوت البحث عن الخالق والسعي لمعرفة ما سيؤول إليه الإنسان، بدون هذه المعرفة لا يحصل إنسان على الطمأنينة وسكينة النفس، ويعيش قلقاً حائراً، وخاصة إذا أحسّ بدنوّ أجله يموت ألف ميتة قبل أن يموت وهو لا يدري إلى أين المصير.

إذا كانت الحياة الاجتماعية من فطرة الإنسان، والأمومة والأبوّة من فطرة الإنسان، ولجوء الولد إلى حضن أمّه وأبيه من فطرة الإنسان، فإن لِواذ الإنسان بخالقه لهو جزء صارخ من هذه الفطرة. لذلك تتطلّع روح الإنسان إلى هذه الصلة بالخالق، التي تجد فيها الطمأنينة والسكينة وتستمدّ منها الراحة والقوّة. وإذا ألمّ بمرء مصاب وجد السلوى في مناجاة خالقه.

إن البحث عن الخالق والتوجه إليه بالعبادة وحده دون غيره هو على رأس الأشياء التي نجدها مغروسة غرساً في فطرتنا. لولا هذه الفطرة ما كنا نجد الحجم الضخم لهذه الظاهرة في حياة الإنسان عبر التاريخ الإنساني كلّه. كثيرة هي الظواهر الإنسانية في حياة البشر لكنها لا تبلغ هذا الحجم ولا تستمر طويلاً إلا عندما تستند إلى فطرة الإنسان، وكل ما عدا ذلك يذوي بعد حين.

 

كنت قبل أسابيع قليلة أركب مع عائلتي سيارة أجرة مع سائق بدويّ أخذ يتحدّث مع ولدي الصغير "سفيان"، ولا أدري كيف وصل بحديثه إلى هذا، وجدته يقول لسفيان: ألا ترى كلّ ما حولنا من بديع خلق الله، سبحان الله الخالق العظيم؟ ثم انتقل به الحديث فإذا هو يقول له: كم يسعد الإنسان بالصلة بالله والاتكال عليه، وعندما يصيبنا في الدنيا ما نكره نذكر الله عند المصيبة ونقول إنا لله وإنا إليه راجعون فتبرد قلوبنا. وبينما نحن نصغي إليه مشدوهين إذا بزوجتي تقول للسائق: كان ينبغي لك أن تكون مدرّساً وليس سائقاً. ضحك الرجل وتابعنا طريقنا إلى المطار.

هذا البدوي لم يدخل جامعات ولا مختبرات علميّة ولا قرأ مقالات الفلاسفة، لكنه سمع كلمات قليلة لامست فطرته فوقر الإيمان في قلبه.

 

هذه الفطرة وحدها إذا لم تُطمس تقود إلى الحقيقة. وإذا طمسها الإنسان تعود فتستيقظ ولو بعد حين.

في ساعة ركب فيها الناس السفن في عرض البحر، وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها، جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم، دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكوننّ من الشاكرين.

وفي الساعة التي يرى المرء فيها الموتَ رأي العين، ترتدّ إليه فطرته التي فطره الله عليها مهما كانت قد طُمست، ويرى الحق رأي العين.

"كيف ننكر قضية قد سطر على جباهنا ما يُشعر بصدقها. نحن نشعر -من أعماق قلوبنا- بأنه موجود، نلجأ إليه في الشدائد والملمّات، بفطرتنا المؤمنة، بغريزة التديّن فينا، ونرى الأدلة عليه فينا، وفي العالم من حولنا، فالعقل الباطن يؤمن بوجوده بالحدس، والعقل الواعي يؤمن بوجوده بالدليل. فكيف لعمري يجحد الله الجاحد، وهو -نفسه- الدليل على وجوده؟! إنه كمن يحمل مالَك بيده، ويدعي أنه لم يأخذه ولم يلمسه! ومن يلبس ثيابه مبتلة يقطر منها الماء ، ويدعي أنه لم يقرب الماء! هذه حقيقة الحقائق."[30]

 

 

ما وراء هذه الحقيقة

 

لم يتردد الإنسان طويلاً أمام هذه الحقيقة الكُبرى الساطعة الناصعة، أنه هو وكلّ شيء في هذا الكون الواسع من حوله مخلوق، مخلوق بقدرة وإبداع فوق تصوّر البشر. ولم يتردد الإنسان أيضاً في إدراك أن الخالق الذي خلق كل شيء هو خالقٌ واحدٌ لا يتعدّد، خالق لا كالخلق، أزليّ بلا بداية أبديّ بلا نهاية، مطلق القدرة والإرادة، لا يحيط به ولا يدرك كنهه عقل مخلوق ولا إدراكه، ولا تدركه الأبصار ولا حواس المخلوقات.

وأن الخالق ليس خالقاً وحسب بل هو مالك هذا الكون ومدبّره أيضاً، وأنه حين خلق الخلق لم يخلق شيئاً عبثاً، وأن الإنسان هو مخلوق مميّز مُكرّم على سائر المخلوقات، ومن ثم هو مكلّف أن يبحث عن الحق ويجده، ويقيم هذا الحق في نفسه ومن حوله، وأن الخالق العادل سيجزي كلاً بعمله في حياة أخرى تتجاوز هذه الحياة.

وكما لم يتوقّف الإنسان منذ القِدَم كثيراً أمام هذه الحقيقة؛ لا أراها تستحق الكثير من التوقّف، والذين يتوقّفون أمامها كثيراً إنّما يتوقّفون لأنهم يريدون التوقّف، ويرفضون الحقيقة قاصدين مُكابرين. إن النّاظر المنصف المبصر لهذه الخليقة يدرك لا محالة أنْ لا بدَّ أن وراءها خالق لا حدود لقدرته ووجوده. حقيقة الخالق لا ينكرها إلا مُكابر.

 

وإن كان هناك من تساؤل وراء هذه الحقيقة؛ فهو التساؤل حول كُنْه الخالق وليس حول وجوده، فيسأل سائل: ومن خلق هذا الخالق؟ لكن هذا التساؤل ينهي نفسه بنفسه، لأن الإله الذي له خالق ليس هو الإله وليس هو الخالق الذي نبحث عنه. الخالق هو الذي خَلَقَ ولم يُخْلَق ولا حدود لوجوده وقدرته وإلا لما كان خالقاً. وسرعان ما نُدرك أن عقلنا المحدود الفاني لا يستطيع أن يحيط بأمر الخالق اللامحدود الذي لا يحدّه مكان ولا زمان ولا بداية له ولا نهاية، فلا نجد أمامنا إلا أن نؤمن بِه ونلوذ به ونحن موقنون أن عقولنا لا تدركه ولا تحيط به. هذا أفضل ما يمكن أن تدلّنا عليه عقولنا في هذا الأمر، وهو أن نتوقف عند هذا الحدّ ولا نجادل في الله بغير علم.

ندرك محدوديّة عقولنا ونحن ننظر إلى من لا عقل له من المخلوقات، ومن لم ينضج عقله بعد من بني الإنسان، ونحن نرى أطفالنا وهم يكبرون. أترون ابنتي الصغرى "سيرين" ذات السنوات الست وهي تتعلم الأحرف والأرقام، هل يُمكننا أن نُفهِم عقلها الصغير مسائل التَّفاضُل والتكامُل والنظرية النسبية، مهما كانت عليه من الذكاء ومهما أُوتينا من قدرة على التعليم والتفهيم والتبسيط؟ يستحيل ذلك لأن حدود عقل الطفل بهذا العمر هيَ دون هذا المستوى. كذلك تتفاوت مستويات عقول الكِبار من الناس فتجد فيهم الذكي والغبي. أفلا ندرك إذن أن عقولنا في كلّ مستوياتها حتى بعد أن يكتمل نُضجها وفي أعلى مستوى موجود بين البشر هيَ أيضاً محدودة؟ ونستطيع أن نتصوّر ببساطة أنه يُمكن أن توجد مخلوقات ذات قدرات عقلية أعلى من الإنسان. إن العقل الإنساني محدود، وهو تطاولٌ كبير أن يُحاول هذا العقل أن يُدرك كنَه الخالق. إن أفضل ما نفعله هو أن نؤمنَ بالخالق اللامحدود ونحن نرى ما نحن عليه من حياة وقدرات محدودة، ونلوذَ بهذا الخالق.

 

إن الضلال الذي وقع فيه الإنسان كان من الجهلة الذين جهلوا قَدْر الخالق فلم يقدّروه حقَّ قدره، كما كان من الفلاسِفة الذين ظنُّوا أنهم علموا، وحسبوا أن عقولهم المحدودة تستطيع أن تحيط بأمر الخالق، فخاضوا فيما لم تقدر عقولهم عليه.

 

بحث الفلاسفة عن الحقيقة

 

إن الفلاسفة هم أعظم مفكّري التاريخ، لذلك كان جلّهم مؤمنين بالخالق لأن العقل السويّ والتفكير السليم يقودان إلى الإيمان بخالق الخليقة، ولم ينكر منهم الخالق إلا السفسطائيون والشكّاكون؛ السفسطائيون الذين يضرب بهم المثل في التفكير المعوجّ والهذيان، والشكّاكون الذين شكّوا في كلّ شيء وشكّوا في أنفسهم حتى صاروا حالة يمكن أن تُدرس في الطب النفسي. إن الفلسفة هي البحث عن الحكمة، وجوهر الحكمة هو البحث عن الخالق، لذلك كان جلّ الفلاسفة مؤمنين به، لكنهم شطحوا وضلّوا عندما خاضوا في كنه الخالق وتفصيل الخلق.

 

يقول "أفلاطون"[31]: "إن العالم آية في الجمال والنظام، ولا يمكن أبداً أن يكون هذا نتيجة علل اتفاقية، بل هو صنع عاقل كامل توخى الخير ورتب كل شيء عن قصد وحكمة."

ويقول "ديكارت"[32]: "أنا موجود. فمن أوجدني ومن خلقني؟ إنني لم أخلق نفسي؛ فلا بد لي من خالق. وهذا الخالق لا بد أن يكون واجب الوجود وغير مفتقر إلى من يوجده أو يحفظ له وجوده، ولا بد أن يكون متصفاً بكل صفات الكمال، وهذا الخالق هو الله بارئ كل شيء."

ويقول "باسكال"[33]: "هناك صنفان من الناس فقط يجوز أن نسميهما عقلاء، وهم الذين يخدمون الله جاهدين لأنهم يعرفونه، والذين يجدّون في البحث عنه لأنهم لا يعرفونه."

ويقول "لوقا"[34] مثبّطاً عن البحث في الأمور الغيبية مثل كنه الخالق: "لو بحث الناس عن قواهم العقلية بحثاً جيداً، وكشفوا عن الأفق الذي يفصل بين الأجزاء المضيئة والأجزاء المظلمة وميّزوا بين ما يمكن فهمه وما لا يمكن، لاطمأنّوا إلى جهلهم بالجانب المظلم ورضوا به، ولاستخدموا أفكارهم وأبحاثهم في الجانب الآخر استخداماً أنفع وأبعث على الاطمئنان."

 

لقد كان الفلاسفة أعظم المفكرين فاستطاعوا الوصول إلى حقيقة الخالق، لكن أنصاف الفلاسفة، حالهم حال أنصاف العلماء في كلّ ميدان، هم الذين تاهوا عن الحقيقة، فلا هم لزموا شاطئ الأمان فسلموا، ولا هم أحسنوا السباحة في هذا البحر فنجوا. لذلك على من يريد أن يسلك هذا المسلك أن يسلكه بحقّه أو يتركه.

وبالرغم من أن طريق الفلسفة يوصل إلى الإيمان بالله، لكنه مسلك وعر، وما كان للحقيقة الكبرى أن يكون الطريق إليها وعراً، والطريق البسيط الذي يخاطب العقل بالأساسيات الواضحات، ويخاطب القلب بما يُطمئن هذا القلب، ويخاطب الفطرة بما فُطرت عليه، هو طريق أيسر وأقرب وأصوَب. لعلّ في قصة "حي بن يقظان" لابن طفيل[35]، التي ربما كانت أعظم قصة كُتبت في التاريخ، لعلّ في هذه القصة ما يقودنا إلى هذا المعنى.[36]

إن حقيقة العقل البشري المحدود والعلم البشري المحدود، وحقيقة الطاقة البشرية المحدودة، وحقيقة العمر البشري المحدود، كلّها تدفعنا بقوة لإدراك وجود الخالق اللامحدود والإيمان به.

 

 

العلم يدعو للإيمان

 

كان العلم وما زال وسيبقى طريقاً مضيئاً إلى معرفة الخالق والإيمان به، وكلّما ازداد الإنسان علماً وازداد معرفة بالخلق وسننه التي أودعها الله فيه يزداد يقيناً بخالق الخلق، والذين ابتعد بهم العلم عن هذه الحقيقة هم أنصاف العلماء. ولئن وقف بعض أهل العلم يوماً موقفاً سلبيّاً أو معادياً فهي مواقف فرديّة وقد تكون مؤقتة.

"العالِم الحقيقي لا يكون إلا مؤمناً، والعامي لا يكون إلا مؤمناً، وإن الإلحاد والكفر إنما يبدوان من أنصاف العلماء، وأرباع العلماء، ممن تعلّم قليلاً من العلم، فخسر بذلك (الفطرة) المؤمنة، ولم يصل إلى العلم الذي يدعو إلى الإيمان، فوقع في الكفر!."[37]

 

وبالرغم من الزمن الذي مضى على كتاب "كريسي مورسون" "الإنسان لا يقوم وحده"[38] (ترجم للعربية بعنوان العلم يدعو للإيمان) الذي عرفته في شبابي، وهو ردّ على كتاب "الإنسان يقوم وحده" لجوليان هكسلي[39]، يبقى هذا الكتاب من أجمل ما كُتب في هذا الموضوع، ومثله كتاب "الله يتجلّى في عصر العلم" لمجموعة من كبار العلماء الأمريكيين في مختلف الاختصاصات العلمية[40]، ولا أنسى كتاب "الطب محراب الإيمان" للدكتور "خالص جلبي"[41] الذي قرأته في الثانوية وكان من كتبي المفضلة.

 

من أقوال العرب، وهو من مشاهد الحياة المعلِّمة، أن غصن الشجرة المليء ينحني والغصن الفارغ يقف رافضاً الانحناء. لكن ذلك لا يغيّر من حقيقة أنه فارغ. ودوماً نرى العالِم المليء يتواضع ويعرف قدر نفسه ومقدار علمه، والمدّعي الأجوف ينتفخ ويدّعي ويغمط الحق، لكن ذلك لا يغيّر من حقيقة أنه أجوف. أشباه العلماء هؤلاء هم الذين يستبدّ بهم الغرور فينكرون حقيقة بهذه الضخامة. كم يبدو مثيراً للسخرية تلك السخرية التي يتحدثون بها عن السماوات السبع التي يجدونها مثيرة للضحك. لعمري هم المثيرون للضحك وهم يرون أن معرفة الإنسان عاجزة عن إدراك السماء التي بين أيدينا، فما لهم وللسماوات التي وراءها! ألا يقفون موقف العالم الذي يعرف قدره ويقول لا أدري؟

 

 

أيّة صدفة!

 

هذا الكون المبهر في إتقانه، المبهر في أطرافه القُصوى؛ الدقيقة المتناهية الصّغر والكبيرة المتناهية السعة، المبهر بتصميمه البديع (المسمّى "التصميم الذكي" بالتعبير العلمي، والأولى ترجمتها "التصميم الحكيم" كما اقترح بعض الكُتّاب) وتصميمه النافع للإنسان (المسمّى "التصميم الغرضي")، يدلّنا بشكل قطعيّ أن له خالقاً. هذه حقيقة من الضخامة والوضوح لدرجة تدعونا للتساؤل في شأن الملحدين بها: هل هم جادّون في دعواهم أن هذا الكون وُجد بمحض الصدفة؟ هل هم بكامل قواهم العقلية؟ هل فكّروا فعلاً بهذا الأمر حسب نظرية الاحتمالات التي نعرفها؟ وهل فكّروا في حساب نسبة احتمال تكوّن أي جزئية صغيرة من الكون -ولا نقول كل الكون- بالصدفة، أم هم مكابرون فقط دون تفكير؟

 

يشبّه البروفسور "إدوِن كُنكلِن"[42] نظرية نشوء الحياة بالمصادفة باحتمال أن يؤدي انفجار في مطبعة وتناثر الحروف فيها إلى تجميع معجم كبير.

إن احتمال تكوّن جزيء بروتين عادي مكون من 500 حمض أميني بالكمية والتتابع الصحيحين إضافة إلى احتمالية أن تكون جميع الأحماض الأمينية التي يحويها عسراء ومتحدة بترابط ببتايدي، هي 1 مقسوم على العدد 10 مرفوعاً للأس 950 (95010). ولنستوعب هذا العدد نتذكر أن عدد الإلكترونات الإجمالي في الكون بأجمعه هو (7910). بناء على ذلك وحسب نظرية الاحتمالات فإن الاحتمالية لتكوين بروتين واحد بالصدفة تساوي صفراً. [43]

وفي الموسوعة البريطانية العلمية[44] (المدافعة عن التطور بقوة وصراحة) تم تقديم أدلة على أن الأحماض الأمينية لجميع الكائنات الحية على الأرض ووحدات بناء البوليمارات[45] المعقدة مثل البروتينات تتسم بنفس اللاتماثل الأعسر. وتضيف الموسوعة أن هذا الأمر يشبه قذف عملة في الهواء مليون مرة والحصول دائماً على وجه العملة نفسه! وقد ذُكر في نفس الموسوعة أنه من غير الممكن أن يفهم المرء لماذا تصبح الجزيئات عسراء أو يمناء وأن هذا الاختيار له علاقة ساحرة بأصل الحياة على الأرض.[46]

 

 

نظرية التطوّر.. بين التزوير العلمي والإفساد الإنساني

 

بعد نظرية الصدفة التي قدّم فيها جهابذة الملحدين تفسيراً (عليلاً) لنشوء الكون بلا خالق، جاءت نظرية التطوّر لعالم الحيوان "تشارلز داروِن"[47] لتقدّم تفسيراً لنشوء الحياة وتنوّع الأحياء، المتفاوتة في التعقيد ابتداء من الأحياء وحيدة الخلية وانتهاء بالإنسان، فلم يكن تفسيرها أقلّ علّة من تفسير الأولى.

ويصعب أن نبسط القول في مسألة التطوّر في هذا الموضع فهي تحتاج إلى عمل مستقل، وقد كُتبت فيها كتب ربما كان من أحسنها كتاب "نظرية دارون بين مؤيّديها ومعارضيها" للمهندس "قيس القرطاس"[48] رحمه الله الذي قرأته من زمن طويل، وكتاب آخر جيد اطلعت عليه مؤخراً هو "خديعة التطور" للمؤلف "هارون يحي"[49]، كما شاهدت في رمضان الأخير في برنامج الدكتور "محمد العوضي"[50] صاحب العلم الغزير والتواضع الجمّ والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، في سلسلة الحديث عن الخَلْق التي استضاف فيها الدكتور "صبري الدمرداش"[51] المتخصص في هذا الميدان والمبدع فيه، ما يثري هذا الموضوع.

 

إن نظرية التطوّر بكل أجزائها وتفاصيلها وأدلّتها هي بموضوعيّة لا تزيد على أن تكون حكاية من حكايات الخيال العلمي.

وإذا أردنا التعبير عن نظرية التطور بالأرقام حسب نظرية الاحتمالات، فإن احتمالية التكوين العفوي للحياة من مادة غير حية، تتكون من احتمال واحد ضمن احتمالات عدد مكون من الرقم 1 وبعده 40000 صفر، وهو رقم كبير بما يكفي لدفن دارون ونظرية التطور بأكملها! وإذا لم تكن بدايات الحياة عشوائية فلا بد أنها قد نتجت عن قصد.[52]

 

كما نستطيع أن نؤكّد بأنّه لا توجد في التاريخ العلمي كلّه مسألة شهدت من التزوير والأدلة الملفقّة والفضائح العلمية والجرائم الأخلاقية مثل نظرية التطور، التي لم يتورّع المتعصّبون لها عن تزوير الحفريات وتركيب أجزاء جماجم على أخرى ومعالجة عظام حديثة لتبدو قديمة، واصطياد إنسان بدائي وحبسه في قفص بين أقفاص القرود ليثبتوا نظريتهم دون اكتراث بهذا الإنسان الذي أنهى حياته بالانتحار في قفصه.

 

"أكذوبة "إنسان بِلتْداون"[53] حدثت سنة 1912 عندما أكّد طبيب معروف وعالم متحجرات هاو يدعى "تشارلز داوسون" عثوره على عظمة فك وجزء من جمجمة داخل حفرة في "بيلتداون" بإنغلترا. وعلى الرغم من أن عظمة الفك كانت أشبه بعظمة فك القرد، إلا أن الأسنان والجمجمة كانت أشبه بأسنان وجمجمة الإنسان. وكُتب على هذه العينات اسم "إنسان بِلتْداون". ونتيجة للمزاعم القائلة بأن عمر العيّنة هو خمسمئة ألف سنة، فقد تم عرضها في العديد من المتاحف بوصفها دليلاً قاطعاً على تطور الإنسان. ولأكثر من أربعين سنة، كُتبت الكثير من المقالات العلمية عن إنسان بيلتداون وكُتب ما لا يقل عن خمسمئة رسالة دكتوراه حول هذا الموضوع. وفي سنة 1949 حاول "كينيث أوكلي" (من قسم المتحجرات في المتحف البريطاني) أن يجرب طريقة اختبار الفلورين الذي يستخدم لتحديد تاريخ المتحجرات القديمة، وأجري الاختبار على متحجرة إنسان بيلتداون، وكانت النتيجة مذهلة. فقد اتضح من الاختبار أن عظمة فك إنسان بيلتداون لا تحتوي على أية فلورين مما يعني أنها لم تظلّ مدفونة في الأرض لأكثر من بضع سنين، أما الجمجمة التي احتوت على مقدار ضئيل من الفلورين فقد تبين أن عمرها لا يتجاوز بضعة آلاف من السنين. وكشفت الدراسات الكرونولوجية أن عمر الجمجمة لا يتجاوز بضعة آلاف من السنين، كما تحدد أن الأسنان الموجودة في عظمة الفك -والتي تنتمي إلى "الأورانغ أوتان" وهو من أنواع الغوريلات- قد تآكلت اصطناعياً. وفي التحليل المفصل الذي أتمه "وينر" سنة 1953 تم الكشف للجمهور عن هذا التزوير؛ إذ كانت الجمجمة تخص إنساناً عمره نحو خمسمئة سنة في حين كانت عظمة الفك السفلي تخصّ قرداً مات مؤخراً! وقد تم ترتيب الأسنان على نحو خاص في شكل صف، ثم أُضيفت إلى الفك وتم حشو المفاصل لكي يبدو الفك شبيهاً بفك الإنسان. وبعد ذلك تم تلطيخ كل هذه القطع بثاني كرومات البوتاسيوم لإكسابها مظهراً عتيقاً. وفي أعقاب هذه الأحداث تم نقل إنسان بيلتداون على عجل من المتحف البريطاني بعدما عُرض فيه لمدة تزيد عن أربعين سنة!"[54]

"أما أكذوبة إنسان نبراسكا فكانت في سنة 1922 عندما أعلن "هنري أوسبرن"، مدير المتحف الأمريكي للتاريخ الطبيعي، عن عثوره على ضرس متحجرة في غرب "نبراسكا"، بالقرب من "سنيك بروك"، يعود إلى العصر البليوسيني. وزعم بعضهم أن هذا الضرس يحمل صفات مشتركة بين كل من الإنسان والقرد، وبدأت مناقشات علمية عميقة فسّر فيها البعض هذا الضرس على أنه يعود إلى "إنسان جاوة منتصب القامة"[55]، في حين ادعى البعض الآخر أنه أقرب إلى أضراس الإنسان. وقد أطلق على هذه الحفرية، التي أحدثت جدالاً مكثفاً، اسم "إنسان نبراسكا"، كما أُعطيت -في الحال- اسماً علمياً هو: "هسبيروبايثيكوس هارولدكوكي"[56]. وأبدى العديد من الخبراء تأييدهم لأوسبرن. واستناداً إلى هذا الضرس الأوحد رُسمت إعادة بناء لرأس إنسان نبراسكا وجسده. وأكثر من هذا، فقد تم حتى رسم إنسان نبراسكا مع زوجته وأطفاله في شكل عائلة كاملة في محيط طبيعي! وقد وضعت كل هذه السيناريوهات من ضرس واحد فقط! وأجازت الأوساط التطورية هذا الإنسان الشبح لدرجة أنه عندما قام باحث يدعى "ويأتيام بريان" بالاعتراض على هذه القرارات المتحيزة القائمة على ضرس أوحد تعرض لانتقاد شديد! وفي سنة 1927 عُثر على أجزاء أخرى من الهيكل العظمي لإنسان نبراسكا. ووفقاً لهذه الأجزاء المكتشفة حديثاً، لم يكن الضرس يخص لا إنساناً ولا قرداً. وأدرك الجميع أنه يخص نوعاً منقرضاً من الخنازير الأمريكية البرية يسمى "prosthennops وكتب "ويأتيام غريغوري" في "مجلة العلوم" مقالة بعنوان: "الهسبيروبايثيكوس: يظهر أنه ليس قرداً ولا إنساناً" أعلن فيه عن هذا الخطأ. وبعد ذلك، تم على عجل إزالة كل رسوم الهسبيروبايثيكوس هارولدكوكي وعائلته من أدبيات التطور!"[57]

"وقام أحد الباحثين في مجال التطوّر باصطياد "أوتا بينغا" سنة 1904 في الكونغو. ويعني اسمه بلغته المحلية الصديق. وكان هذا الرجل متزوجاً ولديه طفلان، وبعد أن قُيّد أوتا بينغا بالسلاسل ووضع في قفص كالحيوان نُقل إلى الولايات المتحدة، حيث قام علماء التطوّر بعرضه على الجمهور في معرض "سنت لويس" العالمي إلى جانب أنواع أخرى من القردة، وقدّموه بوصفه أقرب حلقة انتقالية للإنسان. وبعد عامين نقلوه إلى حديقة حيوان "برونْكس" في نيويورك وعرضوه تحت مسمّى السلف القديم للإنسان مع بضع أفراد من قردة الشمبانزي وبعض الغوريلاّت، وقام الدكتور التطوّري "ويأتيام هورناداي"، مدير الحديقة ، بإلقاء خطب طويلة عن مدى فخره بوجود هذا الشكل الانتقالي الفريد في حديقته، وعامل أوتا بينغا المحبوس في القفص وكأنه حيوان عادي. ونظراً لعدم قدرته على تحمّل المعاملة التي تعرّض لها، فقد انتحر أوتا بينغا في النهاية!"[58]

"إنسان بيلتداون، إنسان نبراسكا، أوتا بينغا... تبيّن كل هذه الفضائح أن علماء التطور لا يتورعون عن استخدام أي نوع من أنواع الوسائل غير العلمية في سبيل إثبات نظريتهم. وإذا أخذنا هذه النقطة في الاعتبار، عندما نلقي نظرة على الأدلة الأخرى المزعومة بشأن خرافة تطور الإنسان، فسنواجه موقفاً مشابهاً. وهنا سنجد قصة خيالية وجيشاً من المتطوعين مستعداً لتجربة كل شيء من أجل إثبات هذه القصة."[59]

ومع كل ذلك لا تزال هذه النظرية بعد قرن ونصف من إطلاقها تفتقر إلى أيّ دليل علمي حقيقي عليها.

 

يقول "فلشمان"[60]: "إن النظرية الدارونية للارتقاء لا تملك حقيقة واحدة تؤيدها في عالم الطبيعة وهي ليست نتيجة بحث علمي ولا تعدو كونها نتاجاً للتخيّل".

وصرّح "لويس بونور"[61] مدير الأبحاث في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي: "إن التطوّرية قصة خرافيّة مخصصة للبالغين! لم تقدم هذه النظرية شيئاً ذا فائدة لتقدّم العلم. إنها عديمة النفع."[62]

وكتب "لِبسُن": "أعتقد أننا يجب أن نذهب إلى أبعد من هذا ونعترف بأن التفسير الوحيد المقبول هو الخلق. وأنا أعلم أن هذا التصريح يبدو بغيضاً لعلماء الفيزياء كما هو الأمر بالنسبة لي، ولكن يجب علينا أن لا نرفض نظرية ما لأننا لا نحبها إذا كانت الأدلة التجريبيّة تؤيّدها. لقد تحوّلت النظرية في الواقع إلى دين علمي إذ قَبِلَها معظم العلماء وحاول الكثيرون منهم ليّ عنق ملاحظاتهم العلمية لتتوافق مع النظرية".[63]

و يقول "ثومسون": "لست مقتنعاً بأن دارون أثبت رأيه أو أنه ترك أثراً مفيداً في التفكير العلمي أو في التفكير العام. إن نجاح الدارونية تم بعد تدنّي مستوى النزاهة العلمية".[64] 

 

ومن أهم ما كُتب في العقود الأخيرة في نظريّة التطوّر كتاب "مايكل دِنْتُن"[65] "التطوّر: نظريّة في أزمة"[66] الصادر عام 1985، الذي بيّن فيه أن نشوء الخلية الأولى مستحيل اعتماداً على ما نعرفه من علوم البيولوجيا ودقّة عمل البروتينات واعتماد البروتينات على المعلومات المخزنة في الشريط الوراثي. ويقول في كتابه: "إن التمسك بالنموذج التطوري كنظام نظري أصبح قوياً لدرجة أنه وبقيمته، كفكرة هي أقرب لمبدأ تنجيم من القرون الوسطى أكثر منها نظرية علمية جادة في القرن العشرين, تحوّل إلى واقع عند الكثير من علماء البيولوجيا."[67] ويقول أيضاً: "إن الهيمنة الشديدة لأسطورة التطوّر قد خلقت وهماً واسع الانتشار مفاده أن نظرية التطوّر ومهما يقال عنها قد تم إثباتها كاملة منذ مائة عام"[68].

ومن الكتب المهمة عن نظرية التطوّر الكتاب العظيم "صندوق دارون الأسود: التحدي البيوكيماوي للتطوّر"[69] الصادر عام 1996 للدكتور "مايكل بيهي"[70]. الذي وجد بالبحث أنّ الأنظمة البيولوجية المعقدة تتحدى تفسير الانتخاب الطبيعي. يقول بيهي: "كلما عرفنا أكثر عن الحياة والبيولوجيا كلما زادت مشكلات الدارونية وأصبح التصميم اكثر وضوحاً". ويضيف: "كنت أعتقد لمدة طويلة أن التطوّر الداروني يفسّر ما نراه في البيولوجيا، ليس لأني رأيت كيف يمكن تفسير ذلك ولكن لأن هذا ما قيل لي وما درّسوه لنا في البيولوجيا الدارونية. وفي مرحلة الكلية والدراسات العليا كنت في وسط يفترض أن التطور الداروني يفسّر البيولوجيا، وأيضاً لم يكن لدي سبب للشك في هذا. ثم قرأت كتاب دِنتُن "التطور نظرية في أزمة" الذي ساق فيه ضد الدارونية حججاً علمية مقنعة جداً لم أسمع بها من قبل. عندها بدأ يتملكني الغضب إذ أحسست أني سلكت طريقاً خاطئاً فحصلت على الدكتوراه في الكيمياء الحيوية وأصبحت عضو هيئة تدريس دون أن أسمع عن تلك الحجج الوجيهة. أصبحت بعدها أكثر اهتماماً بموضوع التطور وقررت أن لا أعتبر الآليات الدارونية تفسيراً كاملاً للحياة". واستعرض الكتاب التحوّلات التي طرأت على المفاهيم العريضة في مسيرة تطور العلوم، التي يتم فيها مراجعة أسس ومسلمات النظريات، وكيف أدّى بعض هذه المراجعات لإلغاء نظريات برمتها. وبيّن أن تطورات علم الكيمياء البيولوجية ستؤدي لنقلات نوعية في المفاهيم، ومنها المفاهيم المتعلقة بالتطوّر. ويؤكّد أهميّة مراجعة نظرية التطوّر لأن الذين يقبلون بها يعتمدون على أن المرجعيات وافقت عليها وليس لأنهم اختبروا أدلتها. ودور البيولوجيا الحديثة في أن تكشف عن أهمية دور البنيات الأساسية للكائن الحي، ففي كتاب دارون يتحدث عن إمكانية تطور عضو إلى شكل جديد ولكن دون طرح لمسألة أساسية هي التركيبة الأولى للعضو والتي هي كل متكامل حتى بأبسط أشكاله. وقدّم مفهوم التعقيد غير القابل للاختزال وهو النظام الذي لا يعمل إلا بوجود كل أجزائه بتسلسلها بحيث تتعطل وظيفته لو تعطل واحد منها فقط أو تغير ترتيبها. وقدّم أمثلة عن أنظمة معقّدة غير قابلة للاختزال في الكائنات الحية ومنها سوط البكتريا وتخثر الدم وجهاز المناعة والبوابات الخلوية وغيرها، ونبّه إلى أن دقّة التركيب في هذه البنيات الفسيولوجية لا تُعطى حقها من الانتباه. وفي خاتمة الكتاب يطرح مفهوم التصميم الذكي كتبرير لوجود التعقيد غير القابل للاختزال.[71]

 

كما أنه لا توجد مسألة علميّة تدخّلت فيها السياسة بالعلم مثل مسألة التطوّر، فبينما يعترض كثيرون في الغرب على تدريسها للطلاب في المدارس على أنها حقيقة علميّة تقف أطراف سياسيّة ومراكز قوى غير علميّة في وجه هذا الأمر بشراسة، وكان المتوقّع في النظام الديمقراطي الغربي أن يُترك مثل هذا الشأن للجهات الأكاديمية ويُتعاطى معه على أساس علميّ بحت.

مراكز قوى مشبوهة تقف بشراسة وراء نظرية التطور في الغرب كما لو كانت جهة دينية متعصّبة، لكنها تروّج لدين باطل لا دليل على صحته، دون مراعاة للأسس العلميّة ولا احترام لتفكير الناس ولا لحريّتهم في الاختيار.

يقول العالم الجيولوجي الصيني "يون يوان شين": "في الصين يحق لنا نقد الدارونية لكن لا يحق لنا نقد الحكومة، في أمريكا تستطيع نقد الحكومة أما النظرية الدارونية فلا".[72]

وفي وسط هذا الإرهاب العلمي والسياسي، يقف في وجهه مجموعة من العلماء وقفة شجاعة يدعون إلى المعارضة العلميّة للدارونيّة، ويقولون أن اقتصار التدريس على فكرة واحدة فيه إساءة لطلاب العلم، لأنه مقيّد ومضلّل وقصير النظر فكريّاً. كانت قائمة العلماء الموقعين على هذه الوثيقة المهمة تضمّ مئة عند إعلانها في عام 2001، وارتفع هذا العدد إلى سبعمئة في عام 2007 وما زال في ازدياد.[73]

 

إن الأسلوب الذي تتعامل معه الدوائر العلمية في الغرب مع هذه النظرية الساقطة علمياً يلحق العار بالبناء العلمي الذي يقبل بهذه الممارسات غير العلمية. وإن الأسلوب غير الديمقراطي الذي تتعامل معه الدوائر السياسية مع هذا الأمر في بلاد الديمقراطية الغربية يشكّك في مصداقيّة هذه الديمقراطية.

 

وبالإضافة إلى الأكذوبة التي تقوم عليها نظرية التطوّر، والتزييف الذي مارسه أصحابها والقمع الفكري الذي يقوم به أنصارها، فقد كانت أكثر من مجرد نظرية علمية فاشلة، تعدّت ذلك لتكون اعتقاداً فاسداً يعمل على تدمير الأخلاق وهدم القيم الإنسانية وتكريس العنصرية والقضاء على رسالة إصلاح الإنسان، بتقويض الاعتقاد بالخالق والإيمان بالخير، وتكريس مفهوم الصراع والبقاء للأقوى.

يقول مايكل دِنْتُن: "قطعت الدارونية صلة الإنسان بالله وجعلته يسير على غير هدى في هذا الكون، ولهذا السبب كان لها هذا التأثير الهائل على الإنسان، إذ تركته بلا هدف ولا غاية يسير إليها. ولم تصل أي ثورة ثقافية في العصر الراهن إلى مقدار التأثير الذي أحدثته الدارونية على كيفية تصوّر الإنسان لنفسه ولمكانه في الوجود"[74].

"ويتمثل أحد أهم جوانب شخصية داروِن وأقلها شيوعاً بين الناس في عنصريّته؛ ذلك أنه كان يعتبر الأوربيين البيض أكثر تقدّماً من الأجناس البشرية الأخرى. وبينما افترض دارون أن الإنسان تطوّر من مخلوقات شبيهة بالقرد، خمّن أن بعض الأجناس تطورت أكثر من بعضها الآخر وأن هذا النوع الأخير ما زال يحمل ملامح القردة. وفي كتابه "سلالة الإنسان"[75](الذي نشره بعد كتابه "أصل الأنواع") علّق بجرأة على الفروق العظمى بين البشر من الأجناس المتباينة. وفي هذا الكتاب ساوى دارون بين السود وسكان أستراليا الأصليين وبين الغوريلا، ثم استنتج أن هؤلاء سيتم القضاء عليهم بواسطة الأجناس المتحضرة بمرور الوقت. وقال داروِن: " في فترة مستقبلية ليست بعيدة بمقياس القرون، يكاد يكون مؤكداً أن الأجناس المتحضرة من البشر ستتمكن من استئصال الأجناس الهمجيّة والحلول محلها في كل أنحاء العالم، وفي نفس الوقت ستكون القردة الشبيهة بالإنسان قد استؤصلت بلا شك"[76].

وتفسّر عالمة الأنثروبولوجيا الهندية "لاليتا فيديارثي"[77] كيف قامت نظرية التطور لداروين بفرض العنصرية على العلوم الاجتماعية: "لقد لاقت نظرية داروين الخاصة بالبقاء للأصلح ترحيبا حارا من قبل علماء العلوم الاجتماعية في ذلك العصر، الذين اعتقدوا أن البشر قد حقّقوا مستويات متنوعة من التطور وصلت إلى أوجها في حضارة الرجل الأبيض. وبحلول النصف الثاني من القرن التاسع عشر، أصبحت العنصرية حقيقة مقبولة لدى الأغلبية العظمى من علماء الغرب"[78].

وكان مصدر إلهام "داروِن" كتاب الاقتصادي البريطاني "توماس مالثو"[79]: "بحث في مبدأ السكان"[80]، الذي طرح فيه نظريته حول السكان التي يقول فيها أن الرجل الذي ليس له من يعيله والذي لا يستطيع أن يجد له عملاً في المجتمع، سوف يجد أن ليس له نصيباً من الغذاء على أرضه فهو عضو زائد في وليمة الطبيعة حيث لا صحن له بين الصحون، فإن الطبيعة تأمره بمغادرة الزمن.‏ وظلت نظرية مالتوس للسكان معتمدة لفترة طويلة بين الاقتصاديين في العالم، وأدت إلى حدوث كوارث إنسانية، حيث اتخذت مبررًا للإبادة الجماعية لكثير من الشعوب، وأجبر أبناء بعض العرقيات المضطهدة كالسود والهنود في أمريكا على إجراء التعقيم القسري، وإن اتخذ صورة تعقيم اختياري في ظاهر الأمر. ومثل تجربة التنمية السوفيتية في روسيا التي استحلت بدورها إبادة اثني عشر مليوناً من البشر بحجة اعتصار التراكم المطلوب للتنمية والتقدم الصناعي[81].

ولا غرابة في ذلك لأن "كارل ماركس"[82] مؤسس الشيوعية هو من المعجبين بداروِن ونظريته التي اعتبرها أساس الشيوعية في التاريخ الطبيعي، ومثله "ماو تسي تونغ"[83] الذي صرّح أن الاشتراكية الصينية تقوم على فكر داروين ونظرية التطور، فالتطور هو شقيق الإلحاد وقاعدته العلمية المزعومة.

وكما كانت نظرية التطوّر قمامة علمية، كانت كذلك قمامة أخلاقية وكارثة إنسانية.

 

 

 

واقع الملحدين

 

هناك كثير من التجمعات الغربية للملحدين المشحونين بالغضب من الدين، واحد منها المسمى زوراً "شبكة العلم"[84]، يحاول أصحابه أن يعطوه صورة مجتمع علمي عظيم بينما وجودهم  الحقيقي كلّه هو على الشبكة العنكبوتية. يقولون أنهم مهتمون بالعلم وتأثيره على المجتمع لكن انحيازهم سرعان ما يبدو واضحاً بعد قليل من الاطلاع على طرحهم. يتمثل مشروعهم الرئيسي في لقاء سنوي أضفوا عليه شكل مؤتمر علمي له برنامج وأوراق علمية ومتحدثون تحت لافتة "ما وراء الاعتقاد"[85] ابتداء من عام 2006 وكان ثالثها وآخرها 2008. كان اجتماعهم الأول يُخطّط له أن يكون بمثابة ميثاق تأسيسي لحزب سياسي. وقد وصف أحد المشاركين "ملفن كونر"[86] هذا الحدث بأنه انتهى إلى ما يشبه وكر الأفاعي، الذين يتجادلون هل علينا أن نسحق الدين بعتلة فولاذيّة أم نكتفي بمضرب البيسبول. واتهمهم متحدّث "مؤسسة تمبلتون"[87] التي تسعى لتقارب العلم والدين بأنهم يتاجرون بالعلميّة العقائديّة.

ورغم وضوح توجّههم العام، لكني بصدق كنت أتوقّع أن أسمع شيئاً من طرح علمي حقيقي في جلساتهم العلمية فخيّبوا ظني. استمعت لساعات من أحاديث هذه المؤتمرات بكثير من الملل ولخّصت ما طرحوه من أفكار، ووجدت في هذه الأحاديث من المغالطات والافتراءات ما لو جئت أعرض له لاستغرق عملاً بكامله، لذلك سأكتفي بقضايا مركزيّة في خطابهم.

هم مهتمّون كثيراً بالعقلانيّة والمنطق السليم، ومهتمون جداً بالتمييز بين المعرفة والاعتقاد، وأن المعرفة شيء يقينيّ قائم على الدليل بينما الاعتقاد شيء ظنيّ لا يقوم على دليل، وعلى هذا بنوا جزءاً أساسياً من خطابهم ومناقشاتهم، لكن أيّ معرفة وأيّ اعتقاد؟ يدخلون علينا مدخلاً فيه خبث والتواء، فيعرضون فكرتهم من خلال معرفة يقينية واعتقاد واهٍ، ليقتنع السامع بالفرق بين حقيقة علمية مثبتة لا نزاع فيها واعتقاد خرافيّ سخيف واضح سخفه وخرافيّته، لكن الاستماع الواعي المستوعب لأحاديثهم يقودنا في النهاية إلى نتيجة غاية في الوضوح: أن المعرفة التي يتركز عليها حديثهم ليست من الحقائق العلمية الثابتة بل نظريات لا دليل عليها، ومع ذلك يسمونها معرفة ويتعاطون معها كأنها حقائق علمية ثابتة، والاعتقاد الذي يحاربونه هذه الحرب الضروس هو حقيقة عليها من الأدلة أكثر بكثير من حقائقهم المعرفية.

التطوّر يكاد يكون محور العلم والمعرفة البيولوجية في حديثهم، وقد استوقف أحد المتحدثين في المؤتمر اعتراض بعض الناس على تدريس هذه النظرية في المدارس ودعوته لتدريس ما يسمى بالتصميم الذكي عوضاً عنها، فاعتبر الرجل هذا الكلام مدعاة للسخرية والضحك.

وجود الخالق عندهم خرافة وهو مجرد اعتقاد! إذا كانت هذه هي الخرافة فما هي الحقيقة؟ والكون وُجد وحده صدفة وهذه عندهم حقيقة علمية! إذا كانت هذه هي الحقيقة العلمية فما هو الاعتقاد؟ أليس الإلحاد برمّته شكلاً من أشكال الاعتقاد؟ لكنه اعتقاد لا يقوم على دليل كالدليل الذي يدلّ على الخالق، ولا يقدّم أي تفسير معقول يرقى إلى التفسير الذي يقدّمه الاعتقاد بالخالق. وهل نظرية التطوّر تقف على أرض صلبة فعلاً؟ وهل نشوء الكون صدفةً هو حقيقة علمية؟ وهل كلاهما جزء من المعرفة التي يتحدثون عنها؟ إذا طبقنا المعايير الأصلية التي يطرحونها فهذه كلّها اعتقادات وليست من المعرفة، وبشكل أدقّ هي اعتقادات واهية لا يمكنها بحال أن تشابه الحقائق، لكن ذلك لم يمنعهم من الحديث عنها وتصنيفها على أنها حقائق ضمن دائرة المعرفة، بينما التصديق بخالق الكون، الكون الذي ينطق شاهداً على خالقه، هو مجرد اعتقاد! أي تلفيق هذا؟ ويتحدّث أحدهم عن صعوبة إثبات أن الله موجود أو غير موجود، ويشبّه ذلك بافتراض أن هناك إبريق شاي يدور حول الشمس وصعوبة إثبات ذلك أو نفيه! أي منطق علميّ هذا؟ أما الأكاذيب الكثيرة التي لا يكاد يخلو منها حديث فهي أكثر من أن تُسرد في هذا الموضع.

أحد أشرس هؤلاء هو "سام هارِس" صاحب كتاب "نهاية الإيمان"[88]، وقد هممت بشرائه من موقع الأمازون لأستعرضه استكمالاً للاطّلاع على هذه الرؤية، لكني بعد قراءة الملخّص والمراجعات وسماع بعض أحاديث المؤلّف أشفقت على نقودي أن أهدرها في شرائه، فاكتفيت بالملخّص والمراجعات والمناقشات والتعليقات التي استطعت الوصول إليها. كتب هارس كتابه عقب أحداث أيلول (سبتمبر) 2001، واستهلّه بوصف اليوم الأخير في حياة مفجّر انتحاري، محاولاً استثمار مشاعر الناس المتأجّجة وتجييرها لصالح فكرته أن الدين هو المصدر الأساسي للاعقلانية والقتل الأعمى، ومن ثم دعا إلى نهاية حازمة لكل أشكال الاحترام والتعايش مع كل أنظمة الاعتقاد الديني المتصارعة، التي تتساوى برأيه في عدم تلوّثها بالدليل، واعتبر الدين مرضاً عقلياً وحالة من الجنون الجماعي، ولم ينس أن يستثمر "الهولوكوست" أيضاً، المستوحى برأيه من عداء السامية النصراني التقليدي. أما نقده المتصلّب للإسلام فاعتبره النقاد مُثيراً للجدل عندما وصف الإسلام أنه دين الموت، واستنتج علاقة واضحة بين التعاليم الإسلامية والفظائع الإرهابية مثل 11 أيلول (سبتمبر)، وقدّم دراسة ملفّقة عن نسبة لا يستهان بها من المسلمين حول العالم يبرّرون العمليات الانتحارية ويعتبرونها مشروعة، متجاهلاً أن الغالبية العظمى من المشاركين بالاستطلاع إنما كانوا يقصدون عمليّات الفلسطينيين، المحتلّة أرضهم المطرودين من دورهم المحاصرين الممنوعين من أسباب الحياة، ولم يكونوا يقصدون بحال تفجيراً في محطة قطار أنفاق يرتادها المدنيّون الأبرياء. أما في حديثه عن الأخلاق فتستوقفه مسألتان: الإصابات العرضية والتعذيب الشرعي خلال الحرب، وقد استغربت كثيراً أنه اعتبر أن الإصابات العرضية ذات إشكال أخلاقي أكبر، بينما برّر التعذيب بقوله "إذا كنا غير مستعدين للتعذيب فيجب أن لا نكون مستعدين للدخول في حرب حديثة"، والمنطق الأخلاقي السليم يقول أن الإصابات العرضية غير المقصودة التي لم يمكن تجنّبها في حرب عادلة مبرّرة أكثر، بينما يصعب تبرير التعذيب الذي برّره هارس في أخلاقيّاته المزيّفة وسمّاه تعذيباً مشروعاً عند أصحاب العقل والخلق.

رأى "ديفِد بولتون"[89] في كتاب "هارِس" "نهاية الإيمان" سذاجة، وكتب في "الإنساني الجديد"[90]: "أنه يتضمّن تبسيطات مفرطة بشكل مذهل ومبالغات وإسقاطات". وكتبت "مادلين بنتنغ"[91] في صحيفة "غارديان"[92] بعد أن اقتبست قول هارس في كتابه: "بعض الأفكار خطرة لدرجة أنه ربما كان أخلاقياً قتل الذين يؤمنون بها" فقالت: "وهل هناك فكرة أكثر خطورة من هذه؟"، وعقّبت: "يبدو هذا تماماً مثل مرافعات رؤساء محاكم التفتيش".

وهارِس في هجومه على الأديان في أحاديثه لا يحاربها على نفس الدرجة من الضراوة، فهو يعرف من أين تُؤكل الكتف، ويعرف جيداً من الذي يمكنه أن يستبيح حِماه ومن الذي عليه أن يتّقيه بل ويتملّقه أيضاً، فهو يسخر من النصرانية سخرية لاذعة، أما الإسلام فيشنّ عليه حرباً شديدة مستثمراً التخويف من الإرهاب، بينما لا يكاد يشير إلى اليهودية، ويبدو أنه لم يسمع أبداً عن الإرهاب الذي تمارسه إسرائيل في فلسطين باسم اليهودية، لا بل هو يدغدغهم أيضاً ببعض التباكي على الهولوكوست. ولا ينسى صاحبه "نيل ديغراس تايسون"[93] أن يجامل اليهود أيضاً وهو يحقّر المسلمين ويمجّد اليهود، في بيان نسبة حصول كلّ منهم على جائزة نوبل بالمقارنة مع عددهم.

ويتحدّث "نيل ديغراس تايسون" عن ازدهار العلوم عند المسلمين لثلاثة قرون كانت فيها بغداد عاصمة العلم في الأرض، ويفسّر انتهاءها بالنظرة الدينية للإسلام، التي اختزلها بكلام للغزالي بعد نزوعه للتصوّف، أنه يردّ الظواهر الطبيعية إلى إرادة الله وليس إلى الأسباب المسببة لها، في مغالطة تجمع بين الجهل والافتراء، ويقول أن ذلك حدث لأن الوحي قد حلّ محلّ البحث العلمي. لماذا لم يوقف الوحي البحث العلمي قبل أن يقول الغزالي مقالته تلك، في أوقات كانت الأمة فيها أقرب إلى زمن الوحي وكانت الحركة العلمية مزدهرة فيها كما لم تعرف البشرية من قبل؟

متحدث آخر يقول أن كثيرً من علماء المسلمين كانوا غير متدينين بل ضد الدين ويأتي بمثال واحد كاذب وهو الرازي وهو يقول أنهم كثر، ثم يستدرك بقوله لكن كان بعضهم متدينين ويأتي هنا بأكثر من مثال وكأن لسانه يريد أن يفضح كذبه، ومرة أخرى يختزل نظرة الإسلام إلى العلم فيما ينسبه للغزالي بعد تصوّفه، ثم يتحدّث بأشياء عجيبة لا ندري من أين أتى بها، فيقول أن جماعة الإخوان المسلمين في مصر تعارض تعليم العلوم، وأن عالماً باكستانياً نشأ في الغرب أراد أن يساعد دولاً إسلامية على الاستثمار في العلم والجامعات وهم لا يريدون، وأن المسلمين يخافون من العلم لأنه يهدّد اعتقادهم، ويعقّب ضاحكاً في محاولة "خفّة دم": "معهم حق في ذلك". شيء يثير الغثيان.

وأعجبتني كثيراً مداخلة عالم فرنسي من "المركز القومي للبحث العلمي في باريس"[94]، لعل اسمه "لاترون"، أشار إلى مشكلتين يتم الخلط بينهما في كلام المتحدثين: الأولى ضرورة إبقاء الأفكار العلمية غير العقلانية خارج العلم ومثّل بجائزة نوبل، ولعله كان يلفت النظر إلى استدلال تايسون بها وكأنها من الأدلة العلمية، والثانية طرح العلم كمنهج عقلاني للتعامل مع الأخلاق والسياسة، وأتبع ذلك بالتساؤل: هل هناك أدنى دليل تاريخي من أي نوع، على أن تدخل العلم في السياسة والأخلاق قدّم أيّ شيء يُذكر، أو كان له أي أثر في تحسين وضع الإنسان؟ لم يجيبوا على هذه التساؤلات بشكل واضح ومباشر أبداً، بل عمدوا إلى اللفّ والدوران وتغيير الموضوع، فنفى المتحدث "ستيفن وينبرغ"[95] لأول وهلة أن العلم يوفّر أي مقياس أخلاقي، لكنه خلط الأمر بالعقلانية. عاد لاترون وقال أنه لم يذكر العقلانية وسأل بالتحديد عن تدخل العلم بالقرارات السياسية، فأجاب تايسون بقصة عن أحد المفاوضين للسلام، كان قد درس الفيزياء وأعانه علمه هذا في مهمته، ثم عقب هارس تعقيباً خرج فيه عن الموضوع، ولم يتركوا للرجل فرصة ليتابع سؤاله أو يحصل على إجابة مستقيمة.

وبالنظر إلى اللافتة العلمية المرفوعة كان يُتوقّع لأهل شبكة العلم أن يجدوا المشكلة العلمية أكبر كثيراً مع العهد القديم ثم مع العهد الجديد والمشكلة الأقلّ مع القرآن، وهذا عكس الترتيب الذي وجدناه في درجة العداء للأديان في مؤتمرهم العلمي النابع من اعتبارات سياسية بعيدة عن العلم.

وفي حديثهم الأخلاقي لم يتذكّروا الاستعمار الغربي الطويل للدول الضعيفة، وامتصاص ثرواتها ونضال أبناء هذه الدول من أجل حرّيتها، ولم يتذكّروا إبادة الهنود الحمر في أمريكا، ولا اصطياد البشر السود من شواطئ أفريقيا والإتجار بهم واستعبادهم لقرون، فهذه المسائل هي خارج برنامجهم الأخلاقي.

وأفضل ما يُختم به الحديث عن هذا المؤتمر هو حديث آخر لوينبرغ تساءل فيه: "إذا لم يكن الدين فماذا؟" ثم اعترف أن الذي لديهم قليل، وتساءل مجدداً: "كيف يمكننا العيش بشيء قليل كهذا؟" وختم بقوله: "إن الحياة بلا دين صعبة وليست مهمة سهلة، ولا توجد عندي إجابات سهلة، لكن علينا أن نحاول".[96]

هي حرب على الدين وحسب وقد تمسحت بمسوح العلم، رافعين شعار ثقافة الجهالة مقابل ثقافة الاكتشاف. ويعتبرون أن الإشارة للخالق كانت ضرورية عندما لا يوجد لدينا تفسير علميّ للظاهرة العلمية، فإذا وُجد لم تعد هناك حاجة للخالق. ويستعرضون بعض الإحصائيات والاستطلاعات فتروّعهم نسبة الناس الذين يؤمنون بالله وخاصة في المحافل العلمية، ويتساءلون لماذا لا تكون هذه النسبة صفراً؟ ويتساءلون لماذا نسبة المؤمنين من الأطباء أعلى منها في غيرهم من العلماء؟ ويجيبون: لأن الأطباء يواجهون الحياة والموت أكثر من غيرهم، ويحتاجون إلى قصة جيدة يروونها لأهل المريض الذي مات، والإيمان يوفّر لهم قصة جيدة يروونها. ألا يقولون أن الأطباء تستيقظ عقولهم أكثر وهم يقتربون من الحياة هذا القرب فيؤمنون بخالق الحياة؟ ألا يتذكّرون أن الأطباء تستيقظ قلوبهم برؤية الموت الذي هو نهاية هذه الحياة فيدركون ما وراءها؟ بينما هم عقولهم أسيرة إنكارٍ لا يريدون التفكير فيه وقلوبهم ماتت من النظر إلى المادة والجسد فقط ونسيان الروح.

 

مثير للاستغراب هذه الحرب على الدين باسم العلم التي لم يكونوا مضطرّين إليها أصلاً، فيمكننا دائماً أن نمضي في بحثنا العلميّ واكتشافنا لأسرار الخليقة وسننها ونحن نسبّح خالقها. وحتى لو أرادوا ترك الدين فليسوا مضطرين لحربه، فهو لا يقف في طريقهم، وهناك كثيرون في الغرب يشتغلون بالعلم تاركين الدين دون أن يشكّل ذلك لهم مشكلة أو يمنعهم من بحثهم العلمي.

لماذا هذا العداء المفرط للدين والإصرار على استئصاله؟  العداء الذي رأينا مثله في الأنظمة الشيوعية في روسيا والصين؟ ألا نستنتج أن الإلحاد بما يحمله من مغالطة للعلم ومجافاة للفطرة يشحن نفوس أصحابه بهذه الساديّة؟ ألا نفعل ما فعلوا فندعو إلى مؤتمر علمي بعنوان "ما وراء الإلحاد"، نبيّن فيه خطر هذا الاعتقاد على الإنسانية، ونحرّض على اجتثاث أصحابه؟ ونستثمر المشاعر في التذكير بالفظائع التي اقترفتها أيدي الملحدين في الاتحاد السوفيتي والصين، وما كان أصحاب شبكة العلم ليتردّدوا في مثلها لو امتلكوا القوة والسلطان.

الحقيقة التي لم يتمكنوا من طمسها أن الاحتفاظ بالإيمان بالخالق والتمسّك بالعقلانية والمنهج العلمي وحب الاكتشاف ممكن جداً، بل أنهما؛ الإيمان والعلم، متعانقان.

إذا وجدوا مشكلة بين العلم ونصوص الكتاب المقدس فلماذا جعلوها مشكلة مع الخالق؟ أفلا بحثوا عن كلمة الله في غيره؟ وإن لم يجدوها ألم يمكنهم أن يتوجّهوا لخالق الكون حنفاء لله؟

 

أما التجمعات الإلحادية العربية فأصحابها يتناقلون نفس الشبهات ونفس الكلمات والجمل، يعيدونها دون ملل. من الواضح أن كثيراً منهم قد مرّوا بتجارب مؤلمة مع بعض المتديّنين تركت في نفوسهم كراهية شديدة للدين، ويحملون شحنة ضخمة على أصحاب الرؤية المخالفة لهم وهم الكثرة طبعاً، فيعيشون حالة من الشعور بالاضطهاد. ليتهم ينظرون في أسباب هذا الاضطهاد فربما كان مصدره عدم معقولية ما يطرحون وليس ساديّة الطرف الآخر كما يظنون، وسيعاني من موقف مشابه كلّ أصحاب طرح شاذ لا يستقيم لأصحاب العقول.

كتبوا في أحد هذه المنتديات "الاسلام اكبر نكبة اصابة  العرب"، فكلمة "أصابت" يكتبها هؤلاء المثقفون بالتاء المربوطة بدل المبسوطة، وسنتغاضى عن همزات القطع والوصل فهذه فوق المستوى العلمي المتوقّع لكتبة هذه الصفحات. وليس هذا في سياق كتابة طويلة فنعزو ذلك لخطأ إملائي بل هو في شعار بارز مكتوب كعنوان بالألوان الأسود والأحمر. ربما يعطينا هذا فكرة عن مستوى العلم والفكر الذي يتمتع به أهل هذه المنتديات.

هذه المجتمعات بصدق وتجرّد مثيرة للشفقة، ولولا الشبكة العنكبوتية لما وجدوا منبراً، لكن هذه الشبكة تعطي كل إنسان منبراً. صار علينا أن ننظر مليّاً أكثر وأكثر فيما نقرأ وما نسمع على هذه الشبكة.

 

لقد ناقشت في الماضي أيام الجامعة عدداً من الملحدين، ولم أجد منهم من يبدو مقتنعاً بما يقول أو يدلّل عليه بكلام معقول، وكان واضحاً أنهم إنما يريدون التحرّر من أي التزام يفرضه عليهم الدين، ويرغبون في أن يضفوا على أنفسهم صورة علمية أخلاقية بدلاً من صورة التحلل من الالتزامات الأخلاقية. والآن، بعد استطلاع طويل لواقع الملحدين وطروحاتهم وهدر الكثير من وقتي في قراءة ما يكتبون وسماع ما يتحدثون به، ونظر وتأمّل في البراهين التي يقفون عليها، فما كان هذا العمل ليكتمل دون الاطلاع على كلّ الرؤى ووجهات النظر، يزداد الأمر وضوحاً، وبنظرة علمية وموضوعية وبعيداً عن الموقف الأخلاقي من هؤلاء، أنهم ليسوا على شيء، والمضمون الحقيقي لخطابهم قليل جداً، ومليء بالمغالطات والتناقضات والافتراءات.

 

الإلحاد نشأ ردّة فعل غاضبة على الاعتقادات الدينية فشكّل تلقائياً اعتقاداً جديداً، والفرق بين الشكلين من الاعتقاد أن الدين يتحرى الاعتقاد الصحيح ويهدف إلى إصلاح الإنسان، بينما الإلحاد يريد التحلل من أيّ التزام أخلاقي. لقد رفضوا الاعتقاد الداعي إلى الأخلاق واستبدلوا به الاعتقاد المتحلل من الأخلاق، ويبقى كلا الموقفين اعتقاداً، اعترفوا بذلك أم لم يعترفوا.

عندما ننظر للطرح الديني الذي تقف له هذه التجمعات الإلحادية نرى بناء فكرياً قائماً خرقوا فيه خروقاً من شبهاتهم، أما طرحهم المقابل فلا يقيم بناءً أصلاً، ولا يقدّم رؤية ولا تفسيراً ولا منهجاً حقيقياً، لكنهم يطبّلون ويزمّرون على شفا جُرُفٍ هارٍ لا يلبث أن ينهار بهم.

 

 

العائدون إلى الله

 

وما زال الملحدون يتراجعون عن إلحادهم الواحد تلو الآخر ويعودون إلى الله.

كان أشهر الملحدين العرب هو الدكتور مصطفى محمود[97] رحمه الله، الذي أعاده القرآن إلى الله فبدأ مسيرة النور بعد مسيرة الظلام.

 

وهذا هو الفيلسوف البريطاني "أنتوني فلو"[98] أشهر وأشرس ملحدي القرن العشرين يفجّر مفاجأة في أوساط الملحدين عام 2004، بإعلانه أنه صار مصدّقاً بوجود إله بعد نصف قرن من الإلحاد، بالرغم من عدم اكتمال تصوّره عن الخالق، محدثاً ضجة نقلتها وكالات الأنباء العالمية، مستنداً إلى أن التعقيد المذهل في بنية الكون والبنية شديدة التعقيد للكائنات الحيّة تشير إلى وجود "مصمّم حكيم"، وألّف كتاباً بعنوان "هناك إله ..كيف عدل أشرس ملحد عن الإلحاد؟"[99] صدر عام 2007 قبل ثلاث سنوات من وفاته. يقول "فلو": "إن نشأة الكون وبنيته وكذلك نشأة الحياة والكائنات الحية، تبلغ درجة هائلة من التعقيد تستبعد تماماً أن تكون قد حدثت بشكل تلقائي عشوائي، وتحتم أن يكون وراءها مصمم عليم قادر".

ويقول "فلو" أيضاً: "يقولون: إن الاعتراف يفيد الروح، لذا سأبدأ بالاعتراف بأن الملحد يجب أن يشعر بالحرج من إجماع الآراء الكونية المعاصرة.. ومن الواضح أن العلماء يوفرون دليلاً علمياً على أن الكون كانت له بداية، والمؤكد أن الحفاظ على هذا الموقف (الإلحاد) ليس سهلاً ولا مريحاً في مواجهة قصة الانفجار الكبير".

 

ومن أكثر اعترافات الملحدين صدقاً وكشفاً للحقيقة المركزية التي يقوم عليها الفكر الإلحادي اعترافات "ألدُس هكسلي"[100] (وهو حفيد داعية الدارونية الأول تومَس هكسلي) الذي كتب: "اعترافات ملحد تائب" فقال: "كانت لدي دوافع تجعلني أتمنى بأن لا يكون للعالم معنى ولذلك افترضت أنه بلا معنى، ثم تمكنت وبلا جهد من إيجاد الأسباب التي تسوغ هذا الافتراض. إن الفيلسوف الذي يقبل انعدام المعنى للوجود لا يتعامل مع مسألة ما ورائية فقط، بل يسعى لنفي وجود أي سبب يمنعه من التصرف الشخصي على النحو الذي يريد. وبالنسبة لي وكما يعلم الجيل الذي عاصرته فإن فلسفة انعدام المعنى كانت أداة أساسية للتحرر. إن التحرر الذي كنا ننشده يشمل السياسة والاقتصاد والأخلاق في آن واحد، ولقد قمنا باستهداف الأخلاق لأنها تعيق حريتنا الجنسية".[101]

 

 

الحقيقة الناقصة

 

ورغم ما يحمله موقف الملحدين المنكرين خالقهم من مغالطة علمية وهبوط أخلاقي، لكن الموقف الذي ربما كان لا يقلّ عنه قبحاً بكثير، هو موقف الذين لم يجدوا مخرجاً من الاعتراف بخالق لكنهم جعلوه عاجزاً غير مكترث بخلقه، فظنوا أن لا سلطان له على الكون بعد أن خلقه ووضع قوانينه، وأنه لا يعبأ بخلقه الذين خلقهم ونسيهم، فلا يكترث بظالم ولا مظلوم، ولا يكافئ محسناً ولا يعاقب مسيئاً، ولا يسمع دعاء عباده ولا يجيب.

عندما نؤمن أن لهذا الكون خالقاً، نؤمن تلقائيّاً أن هذا الخالق لا تحدّه حدود في وجوده ولا في قدرته، وأنه متّصف بكلّ صفات الكمال وعلى رأس هذه الصفات العدل؛ العدل المطلق. فالخالق الذي أبدع خليقته في إتقان ودقّة هائلة وسيّرها في انضباط مذهل، ما كان إلا ليجعل بعد هذه الحياة حياة أخرى يكافئ فيها المحسن ويعاقب فيها المسيء. بدون هذه الحياة الآخرة تبدو الحياة عبثّية وظالمة. وما كان للخالق أن يكون عبثيّاً ولا أن يقبل العبثّية لمخلوقاته، وما كان الخالق ليرضى بالظلم لعباده.

 

 

اللاأدريّون.. موقف الأنعام

 

أما الموقف الأقبح كثيراً من موقف الملحدين فهو موقف من سمّوا أنفسهم "لاأدريّين". غريب أن يقف بعض هؤلاء موقف أهل العلم من مسائل علمية يريدون فصفصتها لا يتركونها دون توضيح، بينما يطرحون أهم قضية في الحياة جانباً دون أن يصلوا فيها إلى قول فصل. الملحدون ادّعوا على الأقل دعوى المفكّرين المهتمين بالوصول إلى الحق وأظهروا الاكتراث بإنسانيتهم، بالرغم من النتيجة الرديئة التي قادتهم أهواؤهم إليها، أما هؤلاء "اللاأدريّون" فقد قرّروا أن يعيشوا في هذه الحياة كالبهائم، لا يبالون إن كان لهم خالق أم لا، وإن كان هناك دين أم لا، وإن كانت هناك آخرة أم لا. ليس لهم من حياتهم إلا طعام وشراب وشهوات، فانتكسوا بالإنسان إلى حياة الحيوان. إن هم إلا كالأنعام بل هم أضلّ.

هذه صورتهم الحقيقية حتى لو حاولوا تجميلها بمحاضرات فلسفية ومقولات أخلاقية، فهي لا تزيد عن طروحات فلسفية وشعارات لا رصيد لها من الحقيقة ولا أثر لها على الأرض. لعمري بعد أن يخرج الواحد منهم من أحد تجمّعاتهم الغثائيّة، وقد تفلسف وثرثر ونظّر للبشرية، ربما يذهب بعدها فيشرب كأساً من الخمر ويضرب زوجته ويسبّ أباه وأمّه، ثم يجلس إلى حاسوبه بعد أن يصحو من سكرته ليستأنف التنظير الأخلاقي.

 

 

الطريق إلى المجتمع الفاضل

 

إن هذا الاعتقاد، فوق أنه حق بذاته، هو الذي يحقّق المجتمع الفاضل الذي أخلص أفراده دينهم لله فكانوا صالحين مصلحين. لا شيء يمكن أن يصنع الإنسان الصالح ويبني المجتمع الصالح مثل ارتباط الإنسان بخالقه، ومراقبته له في كلّ خطوة يخطوها، وانتظار الجزاء من الخالق وحده على كلّ عمل صالح.

لم يوجد أبداً في التاريخ الإنساني منهج أخلاقيّ حقيقيّ قابل للتطبيق إلا في الدين. ولا توجد أبداً قوة إيجابية للصّلاح والإصلاح في الأرض تعدل الإيمان بالله.

 

بقية الحقيقة

 

هذه الحقيقة لها بقية..

الحقيقة الكبرى التي تصرخ في هذا الكون قبل أن يوجد الإنسان ليسمعها، وبعد أن وُجد الإنسان فسمعها، أن لهذا الكون خالقاً، هو الله الواحد الأحد، الصمد الذي تستند إليه الخليقة كلّها، الذي لم يلد ابناً ولم يولد لأبوين، ولم يكن له كفؤاً أحد أبداً.

وأنه خلق كلّ شيء وجعله مسخّراً لهذا الإنسان.

وأنه لم يترك خلقه دون رعاية وهداية، وما كان ليترك أعلى مخلوقاته الذي ميّزه بعقل وأعطاه الاختيار دون هداية.

 

ومنذ عرف الإنسان الحقيقة الأولى؛ حقيقة الخالق، انطلق في الأرض يبحث عن بقيّة هذه الحقيقة، يبحث عن رسالة الله إليه.

 

 


 

 

3

 

الجزء الثاني من الحقيقة:

 

الرِّسالة القائمة على البرهان



 

البحث عن الرسالة

 

بعد أن اهتدى الإنسان أن له خالقاً خلقة وخلق الكون من حوله، أراد أن يلوذ بهذا الخالق ويعبدَه، فتابع بحثه عنه، فعبد الشمس تارةً والقمر والنجوم تارةً أخرى، ثم صنع الناس أصناماً فعبدوها لتقرّبهم من خالقهم.

والخالق الذي خلق الإنسان ووفّر له وسائل العيش على الأرض التي وضعه عليها، من الأكسجين الذي يتنفّسه  إلى أطايب الفاكهة التي يتلذذ بأنواعها وأشكالها، لم يترك خلقه تائهين حيارى بل أرسل إليهم رُسُلاً يدلّونهم على طريق عبادته، ولكن كيف يعرف الناس هؤلاء الرُّسُل ويصدّقون أنهم مُرسلون من الله؟

عندما كان يحدث في كل زمان أن يبعث واحدٌ من الناس برسالة إلى آخر مع رسولٍ لا يعرفه، عندما لم تكن عند الناس هذه الاتصالات التي صارت الآن، كان يزوّده ببيّنة تُطمئن صاحبه إلى صِدق هذه الرسالة، وأنها مبعوثة من صاحبه وليست مُختلقة من غيره. فهل كان الله، وللهِ المثل الأعلى، يبعث برُسل لهداية الناس دون أن يؤيّدهم بالبيّنات؟ ما كان الله ليكلّف قوماً أن يصدّقوا بنبيّ دون دليل على نبوّته، وحاشى لله أن يُطالب عباده بالهداية دون أن يضع أمامهم سبُل الهداية، وما كان الناس ليصدّقوا كل مدّع كذاب. كان من عدْل الخالق أن يؤيد هؤلاء الرُّسل بما يُبرهن للناس على صِدقهم.

وضع الله الحق بين أيدي الناس بعد أن آتاهم وسائل الهداية فزوّدهم بعقل يميّز وقلب مفطور على الإيمان، وآتى الله رُسله معجزاتٍ باهرات تثبت صدق رسالتهم التي يبلّغونها، كانت تقيم الحجة وتُثبت للناس أن ذلك ليس من عمل البشر، فيصدّقون الرُّسل ويتّبعونهم على بيّنة، كما صدّق سحرة موسى بنبوّته وآمنوا به، لمّا علموا أن عصا موسى ليست كحبالهم التي خيَّلوا للناس أنها ثعابين، فقدّموا نموذجاً من أعظم نماذج الإيمان والثبات في التاريخ.

بعث الخالق رسُله إلى أقوامهم يبيّنون لهم طريق الهداية ويدعونهم إلى عبادة الله وحده، ويسعَون لقيامهم بالقِسط. وأيّد الله رسُله بالبيّنات، لتطمئن أقوامهم إلى صدقهم في الأمر العظيم الذي يدعون إليه والرسالة التي يحملونها. فقامت على الناس الحجة البالغة، فآمن من آمن وصدّق وعبد الله على بيّنة، وعُرف الحقّ واشتهر، فمن صدّق وآمن فقد فاز، ومن كذّب وكفر فقد خاب وخسر. وما ظلم الله من أحد ولكن الناس أنفسهم يظلمون.

ومن جاء من البشر بعدهم يصدّق خبر من آمن على بيّنة، فيكون الخبر الصادق، بعد تقصّيه صدق هذا الخبر قدر طاقته، هو حظه من البيّنة على هذا الإيمان. والشواهد على الخبر الصادق المؤكّد موجودة، فكثيرة هي الأحداث الكبيرة التي حدثت على مرّ التاريخ، لم نشهدها ولكن نعلم يقيناً أنها حدثت وقد رواها الكثرة عن الكثرة، وقد نشك في حوادث جُزئية وتفاصيل أنها لُفِّقت، وقد حدث من هذا كثير، لكن حوادث ضخمة تناقلتها أجيالٌ لا نشكّ أنها حدثت. ويبقى حظُّ الذي شهد البيّنة من الإيمان أكبر من الذي سمع خبرها، لكن مسؤوليته أيضاً أكبر إذا تنكّر للحقيقة.

آمَنَ من آمَنَ برسالة السماء وكفر من كفر. وحمل المؤمنون هذا الإيمان لمن بعدهم، على خطى من قبلهم يدعون ويهدون. ووقف في وجه النبيين وأتباعهم الذين كفروا، وقاوموهم بكل ما أوتوا من وسائل البطش والقهر والتدمير، فكان ذلك يذهب في كثير من الأحيان بكثير من وسائل الهداية، والصحائف والكُتب التي تركها الرسل بين أيديهم، فتختفي تماماً أو تمتدُّ إليها أيدٍ غير أمينة بالكذب والافتراء والتحريف والتبديل.

وبالرغم من كلّ ذلك فقد كان تاريخ الرُّسل وأقوامهم، رغم ما أصابه من تحريف وتبديل، هو الجزء الأكثر بقاءً ووضوحاً من التاريخ الإنساني.

 

وتتابع الرسل من عند الله من بعد آدم. إدريس ونوح، وهود وصالح ولوط، وإبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب ويوسف، وشعيب وأيوب وذو الكفل ويونس، وموسى وهارون، وإلياس واليسع، وداوود وسليمان، وزكريا ويحي وعيسى عليهم السلام. وكثير غيرهم لم تُعرف أسماؤهم، فقد أرسل الله لكلّ قوم هادٍ يدعوهم للهداية، وإن من أمة إلا خلا فيها نذير مرسل من الله.

أرسل الله نوحاً إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، وما آمن معه إلا قليل، فأخذهم الطوفان وهم ظالمون. وكذّب كثير من أقوام الأنبياء ونزل بهم العذاب جزاء بما كذّبوا.

كان كثير ممن عرفنا من الرسل مُرسلاً إلى بني إسرائيل. وجد موسى عليه السلام من قومه الكثير من التكذيب والانحراف والخذلان، حتى بعد أن أنجاهم الله من فرعون وقومه، وبعد أن جاز موسى بقومه إلى فلسطين، عادوا لانحرافهم عن الطريق المُستقيم الذي بيّنه لهم لما غاب عنهم أياماً ترك فيها أخاه هارونَ رقيباً عليهم.

وأرسل الله عيسى عليه السلام مؤيَّداً بالمعجزات العِظام، ولدته أمه بدون زوج؛ مريمُ العذراء الصدّيقة ابنة عِمران الذي نذرها لبيت الله، ولدته بمعجزةٍ ونفخة من روحِ الله، وتتابعت على يديه معجزات، وبعثه الله بالإنجيل، فآمن به من آمن وكفر به من كفر. ثم ظهر الكافرون على المؤمنين، ورفع الله نبيّه عيسى إليه، وأصاب أتباعه بطش الكافرين زمناً ليس بقصير، ضاعت فيه آيات الإنجيل التي أنزلها الله عليه. ولم يبقَ من كلمات الله ونبيّه عيسى وحواريّيه إلا كتب كتبها أصحابه بعد مدة ليست بالقصيرة من رحيل المسيح عليه السلام في أواخر القرن الأول الميلادي. فأقدم الأناجيل الموجودة؛ إنجيل مرقص، كُتب نحو سنة 70 للميلاد، وبقية الأناجيل ظهرت بعد ذلك، كما أن أسماء الأناجيل المعروفة أسماء غير حقيقية وكتّابها الحقيقيون مجهولون، ولا يوجد ما يؤكد حقيقة نسبة هذه الكُتب إليهم، بل أن فيها الكثير مما يشكّك في ذلك، من نصوص مختلفة بعضها عن بعض بين إنجيل وآخر، في حين كان يُفترض أن تكون مُتقاربة، ونصوص مُتناقضة في الكتاب الواحد في كثير من الأحيان. ثم إنَّ تاريخ هذه الأناجيل وكثرتها، والطريقة التي اعتُمِدت فيها هذه الكتب الأربعة من بينِ عددٍ كبير من الأناجيل تلقي ظلالاً من الشك على صحّتها. واللغة التي كُتبت بها الأناجيل هي اللغة الإغريقية، اللغة السائدة في الإمبراطورية الرومانية في ذلك الزمان، وليست الآرامية لغة المسيح السائدة في فلسطين في زمن بعثته عليه السلام.

 

ومع انتهاء فترة كل نبيّ أو رسول لم يكن يبقى من الوحي الذي حمله إلى قومه بقيّة كثيرة ثابتة الصحة دون أن تطالها أيدي الباطشين بحمَلة الدين، أو المحرّفين الكذبة من أهل الدين الذين اتبعوا الهوى ومصالح الدنيا، فلم يبقَ منها إلا القليل الصحيح، وقد اختلط بكثير غير صحيح.

يقول الدكتور "موريس بوكيه"[102] في كتابه "الإنجيل والقرآن والعلم" الذي نشر بالعربية بعنوان "دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة"[103]: "أما الكتاب المسيحي المقدس فإنه يختلف بشكل بيّن عما حدث بالنسبة للإسلام، فالإنجيل يعتمد على شهادات بشريّة متعدّدة وغير مباشرة، وإننا لا نملك مثلاً أي شهادة لشاهد عيان لحياة عيسى، وهذا خلافاً لما يتصوّره كثير من المسيحيين."[104]

وعند البحث في إحدى المسائل التي تسرّبت إلى النصرانية بعد رحيل المسيح عليه السلام، وهي تأليه نبي الله عيسى وعقيدة التثليث، نستمع للدكتور "ذاكر نايك"[105] يقول: "لم يقل يسوع أبداً أنه الله ولم يرد مفهوم الأقانيم الثلاثة في الإنجيل على الإطلاق، والآية الوحيدة القريبة من مفهوم الأقانيم الثلاثة هي الآية 7 في الفصل 5 في إنجيل يوحنا: "إن في الجنة ثلاثة، الأب والابن والروح القدس، وهؤلاء الثلاثة واحد". وفي النسخة الجديدة المنقحة من الكتاب المقدّس التي نقّحها علماء مسيحيون من أعلى المستويات مستندين إلى حوالي خمسين مخطوطاً، اعتبروا هذه الآية مختلقة فألغوها من الإنجيل. إن المسيح عليه السلام لم يدّع الألوهية أبداً."[106]

 

 

الرسالة الخاتمة

 

في آخر قافلة طويلة من أنبياء الله، على فترة من الرُّسل، أرسل الله محمداً العربي القُرشي الأمّي، في جزيرة العرب في مكة المكرمة برسالة الإسلام الخاتمة، رسولاً إلى قومه والعالمين وخاتَماً للأنبياء، ومصدّقاً بنبوّة موسى وعيسى وسائر أنبياء الله. وكان لدى أتباع موسى وعيسى من اليهود والنصارى في ذلك الزمن من بقايا الوحي الصحيح بين أيديهم ما يشير إلى هذا النبيّ ويعلمهم بصدق دعوته، فصدّقه نفر منهم وصاروا من المسلمين، وكذّبه آخرون، وكان من الذين كذّبوه من يعلم أنه الحقُّ ولكن أبتْ أهواؤهم ومصالحهم. كان في سيرته قبل البعثة ما يدلّ قومه قريش والعرب على صدقه، فلم يعرفوه إلا صادقاً أميناً، كما كان موقفه المبدئي الثابت معهم، وهو يرفض كل العروض والصفقات مقابل التخلّي عن هذا الدين، ما يزيدهم دلالة على صدقه فيما بلّغهم. ولكن أبتْ عليهم كبرياؤهم وكِبرهم  وهواهم ومصالحهم، فأبَوا أن يُصدِّقوه إلا نفراً قليلاً رأَوا الحقَّ فصدقوه وآمنوا بِه.

وكما أيّد الله رسُله المبعوثين إلى أقوامهم بالبينات، أيّده سبحانه بالبيّنات ليقيم الحُجّة على الكافرين، وعلى رأسها البيِّنة الظاهرة والمعجزة الباهرة، الباقية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، المحفوظة من الضياع والتحريف والتغيير والتبديل بوعد الله الذي لا يخلف وعده؛ القرآن الكريم. ولمّا كانت رسالات الأنبياء السابقة مبعوثة إلى أقوامهم في أزمانهم، فقد كانت معجزاتهم مشهودة من أقوامهم في تلك الفترات، وكانت بيّنات كافية لهؤلاء الأقوام في زمنهم. حتى كانت رسالة خاتم النبيّين مُحمد الذي بُعث للعالمين جميعاً، الرسالة الخاتمة الباقية التي أرسلها الله للبشرية جمعاء، فكان من عدل الله أن يجعل لهذه الرسالة بيّنة باقية محفوظة، تهدي إلى الحق على مرّ الزمان وفي كل مكان، القرآن الكريم، معجزة خالدة باقية أبد الدهر، يشهدها الناس في كل زمان ومكان، وليست معجزة يشهدها فقط قوم الرسول المُرسل وفي زمانه فقط.

أرسل الله محمداً بين أظهر قومه من العرب عندما كان نصيبهم من الحضارة الإنسانية يقتصر على اللغة والبيان ومكارم الأخلاق. لم يكن يومئذٍ للعرب حضارة ذات بال، وقد كانت هناك حضارات في ذلك الزمان. لم يكن العرب يومها يحسنون من العلوم والفنون البشرية إلا صناعة اللّسان واللغة والشعر والبيان، فكانت لهم أسواق شعر وبيان مع أسواق البيع والشراء كسوق عُكاظ المشهور، ولم يكن لديهم من مفردات الحضارة إلا شِيَم وأخلاق كريمة من الشجاعة والكرم والمروءة، فكانت المعجزة التي أتى بها محمد قومه مُلائمة لهم؛ كتاب الله المُعجز، الذي فيه من البيان ما عجزوا عن الإتيان بمثله، ويدعو إلى إتمام مكارم الأخلاق التي كانوا يتمثّلون بها. واستمرت معجزات هذا الكتاب في الظهور، كلما بحثوا أكثر وجدوا أكثر، ومازالت بلا نهاية.

 

 

لا يأتون بمثله

 

الحقيقة التاريخية التي لا يكاد يشكّ فيها أحد، أن القرآن بهر العرب أصحابَ البيان وعجزوا أن يأتوا بمثله، فأيقنوا أن هذا ليس من كلام البشر.

أرسلت قريش "عتبة بن أبي ربيعة" إلى محمد يفاوضه في الكف عن هذا الذي فرّق قريشا وعاب آلهتهم, على أن يكون له منهم ما يريد من مال أو رياسة أو زواج. فلما انتهى من عرضه قال له رسول الله :"أفرغت يا أبا الوليد?" قال: "نعم". قال: "فاستمع مني". قال: "أفعل". قال: (بسم الله الرحمن الرحيم. حم. تنزيل من الرحمن الرحيم. كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون. بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون). . ثم مضى حتى قوله تعالى: (فإن أعرضوا فقل: أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود). عندئذ هبّ عتبة يمسك بفم النبي في ذعر وهو يقول: "ناشدتك الرحم أن تكفّ". وعاد إلى قريش يقص عليهم الأمر. ويعقّب عليه يقول: "وقد علمتم أن محمدا إذا قال شيئا لم يكذب, فخشيت أن ينزل بكم العذاب."[107]

ويقول "عتبة بن أبي ربيعة" بعد أن سمع شيئاً من القرآن من النبي : "والله ما فيكم رجل أعلم بالشعر مني ولا برجزه ولا بقصيده مني ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا، والله إن لقوله لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمنير أعلاه مشرق أسفله، وإنه ليعلو وما يعلى عليه، وإنه ليحطم ما تحته."[108]

وتحدى القرآن العرب، أصحاب البيان وملوك البلاغة وأهل العربية الذين لم يكونوا يحسنون إلا هذا، أن يأتوا بمثله أو بسورة من مثله، وسجَّل التاريخ أن أحداً من بُلغاء العرب لم يستطع أن يأتي بمثله ولا بسورة من مثله، لا في عصر نزول القرآن ولا في العصور التي تلت إلى يومنا هذا. وكلّ الترّهات التي تحدّث بها مسيلمة وغيره من الكذبة يحاكون بها القرآن كانت مثيرة للسخرية ولم يأخذها أحد من بلغاء العرب بجدّية، وقد نُقِلت ووصلت إلينا لأن المسلمين لم يعتبروها شيئاً يهدّد كتاب الله بحال من الأحوال. ولا تقلّ عنها رداءة ما تضمّه صفحات الملحدين العرب في هذه الأيام مما سمّوه محاكاة للقرآن، التي ما أظن أحداً من أهل اللغة والأدب إلا وسيراها مثيرة للسخرية.

 

 

الكتاب المحفوظ

 

الحقيقة الكبيرة الأخرى التي تستحق وقفة هي حفظ هذا القرآن، كما وعد بذلك منزل الكتاب حين قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾[109]، فبقى القرآن شاهداً على الحق المحفوظ الذي تعهده الله بالحِفظ، وكان بقاؤه محفوظاً برهاناً آخرَ على صدقه.

إن القرآن هو النص القديم الوحيد الذي حُفظ في التاريخ البشري، بينما لم يسلم نصٌّ قديم على وجه الأرض من الضياع والتحريف عبر التاريخ كله، ولا يوجد نص غيره باقٍ بين أيدي البشر يزعم حتى أصحابه أنه كلمات الله على الهيئة التي نزل بها على رسوله قبل كلّ تلك القرون من عمر البشرية.

بقي القرآن شاهداً باقياً على الحق الذي حملته الرسالة الخاتمة، واعترف القريب والبعيد وأقرَّ المؤرخون في كل مكان أن نصّ القرآن الذي بين أيدينا هو ذاته الذي كان بين يدي محمد وأصحابه، ولا يشكّك أحد منهم بهذه الحقيقة، بل يتركّز طعن الطاعنين في الزعم أن محمدً قد اختلق هذا القرآن.

واتفاق المراجع على صحة نقل القرآن أمر مذهل، فاحتمالات التحريف قائمة دائماً عبر هذه القرون الطويلة التي كان فيها التدوين محدوداً، وإن لم يكن التحريف من منكري الدين كلّه فمن أصحاب الفرق والتأويلات التي خرجت عن مسار الدين الأصلي، الذين لا يتورّع بعضهم عن الحديث عن مصحف آخر، غافلين أنهم بهذا يشكّكون في القرآن وينفون حفظه كما وعد الله، لكن هذا المصحف المزعوم لم يظهر أبداً للعيان، وبقي كتاب الله العظيم برهاناً على حفظ الله له كما وعد.

لم يُحفظ كتاب غيره لا قبله ولا بعده هذه القرون الطويلة، ويُتناقل إلى يومنا هذا دون تحريف أو تبديل. كل ما عدا القرآن من كتب مقدسة، بشهادة أصحابها، لا تزيد على أن تكون أقوالاً نقلت عن الأنبياء عليهم السلام أو قالها أصحابهم وحواريّوهم، ونقلت بطرق ينقصها الكثير من التوثّق والوضوح، وكتبت بعد غيابهم بعشرات السنين. كما أن تلك النصوص قد كُتبت بلغة ثم نقلت إلى لغات أخرى بعبارات مختلفة، سيّما وأن أكثر اللغات التي وُجدت فيها تلك النصوص صارت لغات ميّتة، فما عادت العبارات هي العبارات ولا المدلول هو المدلول.

 

 

القرآن والعلم

 

والقرآن الذي خاطب العقل قبل أي شيء آخر لم يعرف أبداً الفصام النكد الذي شهده الكتاب المقدس مع العلم الحديث، ولم يتمكن أحد أن يثبت أي تناقض صريح بين نصوص القرآن وحقائق العلم الحديث.

يقول "مكسيم رودنسون"[110] في كتابه "الإسلام والرأسمالية"[111]: "يتكرر في القرآن حوالي خمسين مرة الفعل (عَقَلَ) والذي يعني: يربط الأفكار بعضها ببعض، يعلّل، يفهم مناقشة ذهنية. وتطالعنا اللازمة (أفلا تعقلون) في العديد من السور ثلاث عشرة مرة بعد كل قطعة تحليلية. وأما الذين لا يستجيبون لدعوة محمد فإن القرآن يصفهم بأنهم (قوم لا يعقلون)، أناس غير قادرين عقلياً على نبذ تفكيرهم الروتيني، وعلى هذا فهم كالأنعام."[112]

ويقول الدكتور "موريس بوكيه": "لقد قمت بدراسة القرآن الكريم، وذلك دون أي فكرة مسبقة وبموضوعية تامة، باحثاً عن درجة اتفاق نص القرآن ومعطيات العلم الحديث. وكنت أعرف قبل هذه الدراسة عن طريق الترجمات أن القرآن يذكر أنواعاً كثيرة من الظواهر الطبيعية، ولكني معرفتي كانت وجيزة. وبفضل الدراسة الواعية للنص العربي، استطعت أن أحقق قائمة أدركت بعد الانتهاء منها أن القرآن لا يحتوي على أية مقولة قابلة للنقد من وجهة نظر العلم في العصر الحديث.

وبنفس الموضوعية قمت بنفس الفحص على العهد القديم والأناجيل. أما بالنسبة للعهد القديم فلم تكن هناك حاجة للذهاب إلى أبعد من الكتاب الأول، أي سفر التكوين، فقد وجدت مقولات لا يمكن التوفيق بينها وبين أكثر معطيات العلم رسوخاً في عصرنا. أما بالنسبة للأناجيل فما نكاد نفتح الصفحة الأولى منها حتى نجد أنفسنا دفعة واحدة في مواجهة مشكلة خطيرة، ونعني بها شجرة أنساب المسيح. وذلك أن نص "إنجيل متّى" يناقض بشكل جليّ "إنجيل لوقا"، وأن هذا الأخير يقدم لنا صراحة أمراً لا يتفق مع المعارف الحديثة الخاصة بقِدم الإنسان على الأرض."[113]

كان الدكتور "غاري مِلَرْ"[114]، عالم الرياضيات الكندي، قسيساً من المبشرين النشيطين ولديه علم غزير بالكتاب المقدس، ويحب الرياضيات والمنطق. درس القرآن بهدف إيجاد بعض الأخطاء فيه لتساعده في دعوته للنصرانية. ولفتت نظره الآية {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا}[115]. يقول الدكتور مِلَرْ عن هذه الآية "من المبادئ العلمية المعروفة في الوقت الحاضر هو مبدأ "تقصي الأخطاء"[116] في النظريات إلى أن تثبت صحتها، والعجيب أن القرآن الكريم يدعوا المسلمين وغير المسلمين إلى إيجاد الأخطاء فيه ولن يجدوا". ويقول أيضا عن هذه الآية "لا يوجد مؤلف في العالم يمتلك الجرأة أن يؤلف كتابا ثم يقول هذا الكتاب خالي من الأخطاء، ولكن القرآن على العكس تماما يقول لك لا يوجد أخطاء بل ويعرض عليك أن تجد فيه أخطاء ولن تجد".[117]

ويقول الدكتور "جفري لانغ"[118] في كتابه "الصراع من أجل الإيمان"[119]: "لقد اكتشف المعارضون المسيحيّون للقرآن ما اعتبروه تناقضات، لكن ندرة وتفاهة هذا النقد ملفتة للنظر، وكلّ منهم يلجأ للأدلة نفسها."[120]

 

 

آيات بيّنات

 

وبالرغم من أن القرآن هو كتاب هداية، وتكفي هذه الحقائق برهاناً على الحق الذي أتى به، لكن بين دفّتي القرآن الكثير مما يزيد القلب اطمئناناً إلى صدقه. القرآن كتاب هداية وليس كتاب بلاغة ولا علوم، لكنه مليء بالبلاغة والعلوم مما لا قِبل للنبي به في ذلك الزمان. وهذه مجرّد أمثلة من الحقائق المعجزات التي تملأ صفحات القرآن وما زال يتكشّف منها المزيد يوماً بعد يوم.

 

 

 

 

       ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾.[121]

يصف القرآن بداية خلق الكون الذي بدأ من كتلة صغيرة جداً من مادة ذات كثافة عالية ثم حدث ما يسمّيه العلماء "الانفجار الكبير" الذي فتق هذا الرتق وبدأ الكون ينتشر وتتكوّن أجرامه.

وخُلق كلّ شيء حيّ من الماء الذي لا يوجد أي شكل من الحياة يخلو منه، فنسبة الماء في أجسامنا أكثر من ثلثي وزنها، وكذلك كلّ الأحياء يشكّل الماء النسبة الأكبر من تركيبها، وبدون الماء لا تقوم حياة أبداً.

 

       ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾.[122]

يصف القرآن نهاية الكون الذي سيعود إلى الانكماش إلى مادة كثيفة جداً فيُطوى طيّاً ويعود كما بدأ، وهو ما يسمّيه العلماء "الانسحاق الشديد".

 

       ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾.[123]

اكتشف الفلكي الأمريكي "هابل" عام 1929 أن الكون يتمدّد ويتّسع باستمرار. وأن كلّ المجرّات تتحرّك مبتعدة عن بعضها بسرعة ومستمرّة في هذا التباعد بلا توقّف. ومن قياس سرعة هذا التباعد المستمرّ منذ خلق الله الكون أستطاع العلماء حساب عمر الكون الذي يبلغ 13.7 مليار سنة.

 

       ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾.[124]

النجوم التي نراها في السماء ليست هي النجوم على حقيقتها الحاليّة بل مواقعها التي كانت فيها، وقد تحرّكت من هذه المواقع بعد أن أرسلت ضوءها الذي نبصره كما كان عندما انبعث منها قبل زمن قد يصل إلى ملايين السنين. لا توجد طريقة لمعرفة حال نجم بعيد الآن ولا لرؤيته في موقعه الحالي في الزمن الحقيقي أبداً لأن سرعة وصول ضوئه إلينا هي السرعة الأسرع في هذا الكون وهي تستغرق وقتاً يصل إلى ملايين السنين.

 

       ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾.[125]

يفرّق القرآن بين ضوء الشمس والقمر، فيصف الشمس أنها ضياء، أي مصدر ضوء حقيقي، بينما يصف القمر، الذي يعكس ضوء الشمس، أنه نور، أي مجرد نور ينير لنا لكنه ليس ضوءً في ذاته.

 

يقول الأستاذ "يوشودي كوسان"[126] مدير مرصد طوكيو: "يمكنني القول أني انبهرت بما وجدته من حقائق فلكية حقيقية في القرآن".[127]

 

       ﴿بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾.[128]

لأن بنان الإنسان يحمل هويّته. اكتشف "هرشل"[129] أن بصمة باطن الإصبع ينفرد بها كلّ إنسان وتدلّ على صاحبها وذلك عام 1858. وأثبت "غالتون"[130] عام 1892 أن الإنسان يحتفظ بنفس البصمة طول حياته.

 

       ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾.[131]

إن الإحساس بالألم يتم من خلال النهايات العصبية الموجودة في الجلد، فإذا احترق الجلد بكامله تموت هذه النهايات العصبية ويختفي الإحساس بالألم. يعرف هذه الحقيقة جراحو التجميل أكثر من غيرهم، ويشاهدون الحروق العميقة التي تأتي على الجلد بكامله فلا يحسّ بها المصاب.

هذه الحقيقة وحدها جعلت "تاغاتا تاغاسوني" أستاذ ورئيس قسم علم التشريح في جامعة "شيانغ ماي" في تايلند[132] يعلن إسلامه في مؤتمر طبي، فوقف يقول: " من خلال دراساتي ومما سمعته في هذا المؤتمر، أنا أعتقد أن كلّ ما هو مذكور في القرآن منذ 1400 عام لا بدّ أنه الحقيقة التي أثبتها العلم، وبما أن النبي محمد لم يكن يقرأ ولا يكتب فلا بد أنه رسول يبلّغ الحقيقة التي أوحي بها إليه من الخالق الحق الذي هو الله. لذلك أعتقد أن هذا هو الوقت الذي عليّ أن أشهد فيه أن لا إله إلا الله محمد رسول الله."

 

       ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّـهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾.[133]

فبينما تبلغ نسبة الأكسجين في الهواء 21% عند سطح البحر وضغط الأكسجين في الرئتين 100%، تنقص هذه النسبة كلما صعدنا عالياً في السماء وتنعدم على ارتفاع 108 كم، لذلك تُزوّد الطائرات الحديثة بأجهزة ضبط مستوى الأكسجين والضغط الجوي.

 

 

       وها هو العالم والجرّاح الفرنسي "موريس بوكيه"، بعد دراسة مكثّفة، يتوقف كثيراً أمام الآية التي تخاطب فرعون موسى:

﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَة﴾.[134]

يقول الله أنه سينجي ويبقي جسم فرعون موسى بعد غرقه ليكون آية باقية للناس، بالتحنيط الذي مارسه المصريون القدامى لتنجية هذا الجسم. نزلت هذه الآية في زمن سبق كثيراً اكتشاف مومياءات الفراعنة. يقول الدكتور "موريس بوكيه": "في عصر محمد كان كلّ شيء مجهولاً عن هذا الأمر، ولم تُكتشف هذه الجثث إلا في نهاية القرن التاسع عشر."[135] هذه الحقيقة مبهرة بما يكفي؛ الحديث في ذلك الزمن البعيد عن جثة ستُحفظ وتبقى، لكن ما وجده الدكتور بوكيه في دراسة وتشريح المومياء المحنطة التي يُظن أنها لفرعون موسى عام 1975 في مقبرة وادي الملوك المكتشفة عام 1898، من أدلّة على موتها غرقاً زاد من يقينه بهذه الآية.

 

       وعندما يروي القرآن قصة يوسف عليه السلام يسمّي حاكم مصر "الملك" بينما يسمّيه في كل موضع غيره "فرعون".

{وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ}[136].

الحقيقة التاريخية المبهرة التي لم تظهر إلا في القرن التاسع عشر عندما استطاع العالم الفرنسي "شامبليون"[137] فكّ رموز حجر رشيد، المكتشف في القرن الثامن عشر إبان الحملة الفرنسية على مصر، أن ظهور النبي يوسف عليه السلام كان في فترة حكم ملوك الهكسوس لمصر وليس أيام الفراعنة.

 

يقول الدكتور "موريس بوكيه": "كيف أمكن لمحمد أن يتناول قبل أربعة عشر قرناً حقائق علمية في القرآن لم يكتشفها إلا التقدم العلمي في القرون الحديثة، لو لم يكن القرآن وحياً منزلاً لا شك فيه ولا ارتياب في نصوصه؟"[138]

 

       عالم الرياضيات الكندي الدكتور "غاري مِلَرْ" أبهرته قصة النبي صلى الله عليه وسلم مع "أبي لهب" واعتبرها من المعجزات. يقول: "هذا الرجل أبو لهب كان يكره الإسلام كرهاً شديدا لدرجة انه كان يتبع محمد أينما ذهب ليقلل من قيمة ما يقوله الرسول . نزلت سورة في القران اسمها سورة المسد قبل عشر سنوات من وفاة أبي لهب, وهذه السورة تقرّر أن أبا لهب سوف يذهب إلى النار, أي أنه لن يدخل الإسلام. وخلال عشر سنوات كل ما كان على أبي لهب أن يفعله هو أن يأتي أمام الناس ويقول "محمد يقول إني لن أسلم و سوف أدخل النار ولكني أعلن الآن اني أريد أن أدخل في الإسلام وأصبح مسلماً! الآن ما رأيكم هل محمد صادق فيما يقول أم لا؟ هل الوحي الذي يأتيه وحي إلهي؟" لكن أبو لهب لم يفعل ذلك رغم أن كل أفعاله كانت مخالفة الرسول لكنه لم يخالفه في هذا الأمر. لم يسلم ولم يتظاهر حتى بالإسلام! عشر سنوات كانت لديه الفرصة أن يهدم الإسلام بدقيقة واحدة! ولكن لأن هذا الكلام ليس كلام محمد ، ولكنه وحي ممن يعلم الغيب ويعلم أن أبا لهب لن يسلم."[139] 
{تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (2) سَيَصْلَىٰ نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (3) ﴾[140].

 

       ويتكلم الدكتور مِلَرْ أيضاً عن أية أخرى أبهرته لإعجازها الغيبي: "من المعجزات الغيبية القرآنية هو التحدي للمستقبل بأشياء لا يمكن أن يتنبّأ بها الإنسان مثل ما قاله القران عن علاقة المسلمين مع اليهود والنصارى. القران يقول أن اليهود هم أشد الناس عداوة للمسلمين، وهذا مستمر إلى وقتنا الحاضر، فأشد الناس عداوة للمسلمين هم اليهود. إن هذا يعتبر تحدياً عظيماً، ذلك أن اليهود لديهم الفرصة لهدم الإسلام بأمر بسيط وهو أن يعاملوا المسلمين معاملة طيبة لبضع سنين، ويقولون عندها: ها نحن نعاملكم معاملة طيبة والقرآن يقول أننا أشد الناس عداوة لكم, إذن القرآن أخطأ!, ولكن هذا لم يحدث خلال 1400 سنة! ولن يحدث لأن هذا الكلام نزل من الذي يعلم الغيب."[141]

{لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ}[142]

 

       وجانب آخر من إعجاز القرآن الذي انتبه إليه الباحثون هو ما يسمّى بالإعجاز العددي.

وردت في القرآن كلمة الدنيا 115 مرة وكلمة الآخرة 115 مرة، وكلمة الحياة 145 مرة وكلمة الموت 145 مرة، وكلمة الجنة ومشتقاتها 77 مرة وكلمة جهنم ومشتقاتها 77 مرة، وكلمة الملائكة 88 مرة وكلمة الشياطين 88 مرة، وكلمة الصالحات 167 مرة وكلمة السيئات 167 مرة، وكلمة الرجل 24 مرة وكلمة المرأة 24 مرة، وكلمة الجهر 16 مرة وكلمة العلانية 16 مرة.

 

وملفت للنظر أكثر أن كلمة البحر وردت 32 مرة بينما وردت كلمة البر 13 مرة وهذه هي النسبة الحقيقية للبحر إلى اليابسة على الكرة الأرضية وهي 71% للبحر (32 مقسومة على 32+13) إلى 29% لليابسة (13 مقسومة على 32+13) وهذا لم يكن بحال معروفاً في وقت نزول القرآن.

 

وما هذه إلا أمثلة قليلة من كثير، ومن يطلب المزيد يجد الكثير من أمثالها.

لقد وفق الله الشيخ محمد متولي شعراوي[143] رحمه الله إلى كثير من مواطن الإعجاز في القرآن. لا زلت أذكر زيارة الشيخ إلى الأردن وأنا في الثانوية، ومحاضرته المبهرة التي ألقاها في قصر الثقافة واحتشد لها كثير من الناس، فازدحمت القاعة على كبرها وكان عليّ أن أستمع إليها واقفاً على قدميّ وأنا أمسك بدفتر صغير أكتب عليه كلّ كلمة يقولها.

كما وفّق الله الشيخ عبد المجيد الزنداني[144] والدكتور زغلول النجار[145] إلى الاهتمام والاشتغال والإبداع في هذا المجال.

 

 

لغة القرآن

 

واللغة التي اصطفاها الله لكتابه وأنزله بها، العربية، شرّفها وخلّدها إلى قيام الساعة فهي باقية حيّة، رغم ما تلاقيه من إهمال واستخفاف من أهلها.

كيف نقرأ نصاً مضى عليه أربعة عشر قرناً أو يزيد من أشعار العرب وآدابهم فنجده سائغاً مفهوماً؟ دعك من كلمات هُجرت لكن قوام وبنية هذه اللغة ومفرداتها الرئيسية باقية عبر كلّ هذه القرون. أيّ لغة تقرأ اليوم نصاً لها بهذا القدم ويبقى مفهوماً لأهلها. لا يوجد مثيل آخر لهذا بين لغات البشرية الأخرى.

ليس هذا من إبداع ودأب أبناء العربية بل من حفظ الله لكتابه فحُفظت العربية بحفظه، بقدر من الله وفضل منه. لو شهدت العربية معشار ما شهدته الإنغليزية من عناية أهلها بها لسادت العالم، بل لو نالت من العناية ما تناله الإنكليزية اليوم من عناية عند أهل العربية وحدهم لسادت أيضاً. لكنها الهزيمة، ليست هزيمة الحرب بل هزيمة النفوس، تستصغر ما عندنا وتعظم ما عندهم. وأسفاه.

 

 

الذين دفعوا ثمن هذه الحقيقة

 

كان القرآن معجزة واضحة لا ينكرها منصف على صدق رسالة النبي محمد ، فآمن من يريد الحق، وكذّب من أبى الحق تكبّراً أو اتباعاً للهوى أو رغبة في مصلحة. ودخل العرب في دين الله أفواجاً وتبعهم لاحقاً أقوام من غير العرب. وكما حدث دائماً ويحدث، لم يقف مكذبو الرسالة وقفة الحرية والديمُقراطية المزعومة مع المصدّقين والمؤمنين، بل استخدموا معهم كل أنواع القهر والبطش والتنكيل والتعذيب. هؤلاء آل ياسر يُعذّبون، وتسقط سُميّة المؤمنة الصابرة أول شهيدة في الإسلام بحرْبة عدوِّ الله أبي جهل. وهذا بلال بن رباح مؤذّن النبي يُلقَى على رمضاء مكة الملتهبة تجثم فوق صدره صخرة كبيرة تكتم أنفاسه، وهو ثابت على وحدانيّته لله يُنادي "أحدٌ أحد" تجاوبه جنبات مكة من حوله. وغيرهم كثير من السابقين للإسلام الذين قدّموا ما قدّموا حتى وصل هذا الحق إلينا وإلى الإنسانية جمعاء بفضل الله.

 

 

الأمة التي صنعها هذا الدين

 

اكتملت الشريعة، وظهر دين الله، وغيّر هذا الدين إنسان الجزيرة العربية وصنع منه إنساناً جديداً، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، وارتفعت في كل مكان طلائع أعظم حضارة عرفها التاريخ، وزحفت هذه الحضارة على أكثر الجزء المسكون من الأرض في ربع قرن من الزمان.

والحضارة الإنسانية العظيمة التي أنشأها هذا الدين، لم تتمثّل في أبنية عظيمة كأهرامات الفراعنة، التي فني في بنائها كثير من الناس من أجل بناء مقابر فخمة لحكّامهم، فكانت نكسة على صعيد حضارة الإنسان، بل كانت حضارة حرّرت الإنسان وكرّمته، وحملت رسالة الرحمة للعالمين، وأقامت عدالة اجتماعية لم تحلم بها البشريّة قبل ذلك الزمان.

وحمل هذا الدين للبشريّة أول ميثاق لحقوق الإنسان في التاريخ، فأعلن المساواة بين البشر من كلّ لون ومن كلّ جنس ذكراً كان أو أنثى، وحرّر الإنسان من كلّ أشكال العبوديّة، وأقام الإسلام في الأرض دولة العدالة والحريّة وحضارة الإنسان قبل أن تعرف الإنسانية تطبيقاً حقيقيّاً للعدالة والحريّة.

وكان هذا الدين منسجماً مع عقل وفطرة الإنسان ولم يعرف أبداً صراعاً بين الدين والعلم في تاريخه.

 

إن الفكر البشري بفلاسفته ومفكريه وعلمائه وأدبائه، عبر آلاف السنين من عمر البشرية، لم ينتج رؤية متكاملة تقدم تفسيراً صلباً للكون والحياة والإنسان، ونظاماً صالحاً للمجتمع البشري. والأهم أنه لم يُنتج في الواقع البشري مجتمعاً فاضلاً كالذي صنعه هذا الدين في عقدين من الزمان. المجتمع الفاضل لم يوجد أبداً دون دين، ومدينة أفلاطون الفاضلة بقيت حبيسة كتاب الفلسفة تنتظر قروناً أن تخرج منه إلى هذه الأرض، ثم بناها الإسلام في أقل من ربع قرن.

 

وكان من معجزات هذا الدين أنه صنع أمة من نسيج بشري لم يكن يمكن أن يُسمى أمة: مجموعة من القبائل المُتناحرة في طول الجزيرة العربية وعرضها. وصنع حضارة لم يشهد التاريخ لها مثيلاً في قوم لم يكن لديهم من الحضارة إلا قسط قليل: اللغة والبيان، ومكارم الأخلاق. وعندما انتكست هذه الأمة بالبعد عن دين الله ازداد وضوح المقولة التي تقول أن هذه الأمة لا تصلح إلا بما صلُح به أولها، وعادت الأمة شراذم مختلفة متناحرة، ولكنها اليوم بدون القليل الذي كان لها؛ ضاعت منها حتى لغتها ومكارم أخلاقها، فصارت لا شيء، حتى تعود إلى دين الله.

 

 

كلمات الله.. نعمة كبرى

 

هذا القرآن.. فوق أنه المعجزة والبرهان على هذا الدين.. هو نعمة لا تعدلها نعمة.

ولئن كان العيش في كنف الله نعمة كبيرة، فإن العيش في ظلال آيات الله نعمة كبيرة أيضاً.

إنها لنعمة كبرى على البشرية أن تنعم بكتاب الله، وتتلو كلمات الله التي نزلت على محمد قبل أربعة عشر قرناً وبقيت محفوظة إلى يومنا هذا.

 

كم كانت البشرية تحسّ بالحرمان عندما كانت تضيع منها صحف الهداية التي حملها لها الأنبياء.

وكم نحسّ بالنعمة وكتاب الله بين يدينا آناء الليل وأطراف النهار.

 

 

المعجزة الخالدة

 

منذ نزول القرآن المعجزة، بقيت كلمات الله بين دفتي القرآن، معجزةً باقية أبد الدهر، برهاناً على الحق المُبين الذي حملته رسالة محمد الخاتمة.

وتتابعت المعجزات تنبع من نبْع القرآن الخالد، فتارةً أسرار لغوية وأخرى علمية، تتكشّف يوماً بعد يوم مع ازدياد المعرفة البشرية وتقدّم العلوم، فتزداد البشرية يقيناً بالقرآن والإسلام.

 

 

الطمأنينة التي نجدها في كلمات الله

 

وإذا كانت الحقيقة القائمة على البرهان تجد طريقها إلى العقل، والاطمئنان إلى هذه الحقيقة يجد مكانه في القلب، فلا شيء كالقرآن يجد طريقه إلى أعماق القلب الخاشع لله المتشوّق للحقيقة، وسرعان ما يجد هذا القلب الطمأنينة الاستثنائية في كلمات الله سبحانه.

 

يقول المغني البريطاني السابق "يوسف إسلام" ("كات ستيفنس" سابقاً)[146]: "في تلك الفترة من حياتي بدا لي وكأنني فعلت كل شيء وحققت لنفسي النجاح والشهرة والمال والنساء ..كل شيء، ولكن كنت مثل القرد أقفز من شجرة لأخرى ولم أكن قانعاً أبداً ولكن كانت قراءة القرآن بمثابة توكيد لكل شيء بداخلي كنت أراه حقاً وكان الوضع مثل مواجهة شخصيتي الحقيقية."[147]

ويقول "جيفري لانغ": "لقد كانت هناك لحظات كنت أتمنى فيها أن أعيش تحت حماية ذلك الصوت إلى الأبد"[148]

 

إن القرآن هو المعجزة الباقية، التي منحت الطمأنينة واليقين والإيمان الراسخ برسالة الله الخاتمة، لكل الذين آمنوا، بدءاً بالسيدة خديجة أم المؤمنين، وكل الذين آمنوا من بعد، وكل الذين سيؤمنون حتى قيام الساعة.

سيبقى القرآن سِراجاً يُنير طريق الإيمان لكل من يبحث عن الحقِّ.

 



 

 

4

 

الجزء الثالث من الحقيقة:

 

السبيل القائم على البرهان

 



 

 

﴿قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّـهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّـهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ[149]

 ﴿وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ[150]

 

 

عندما تتعدد السُّبل

 

ظهر دين الله، واختار الله رسوله إلى جواره ، بعد أن أدّى الأمانة وبلّغ الرسالة وترك الأمّة على محجّة بيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، وانكسرت شوكة المتربصين بهذا الدين من الخارج، لكن الزائغين من داخل الأمة بدؤوا يبثّون زيغهم ويفرّقون الأمة الواحدة، فهدى الله المؤمنين إلى ما يرون به الحق ويعرفونه قبل أن يلتبس بأكاذيب الكاذبين وافتراءات المفترين، وأرشدهم لما يحافظون به على هذا الحق من التغيير والتبديل، فلا يتكرر ما حدث مع كتب وشرائع النبيين الأولين من الطمس والتحريف، وتبقى الرسالة الخاتمة محفوظة إلى قيام الساعة.

هدى الله الأمة أولاً إلى جمع القرآن وتوحيد نُسَخِه والمحافظة عليه، ثم إلى تمحيص حديث النبي ، واضعين بذلك أصول علم ثابت راسخ الأركان لم تعرفه البشرية من قبل، وكان هذا بتوفيق من الله منزل القرآن وحافظه بمثابة معجزة أخرى وفّق الله إليها هذه الأمة.

لقد خرجت فرق كثيرة، لكن المسار الأصلي للدين ممثّلاً في الجسم الرئيسي للأمة؛ أهل السنة والجماعة، بقي محفوظاً بفضل الله، وبقي الصراط المستقيم واضحاً لمن يريد اتباعه. وبقي العلماء، ورثة الأنبياء، يدعون إلى الله على بصيرة، هم ومن اتبعهم، ويعلّمون الأمة ويرشدونها، ويبيّنون للناس سبيل الحق والرشاد، حتى لا يتبعوا السبل فَتَفَرَّقَ بهم عن سبيل الله.

 

 

النقل الشفهي الموثّق

 

لقد قام أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأصحاب رسول الله بجمع القرآن، ثم قام الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه بتوحيد نسخ المصحف، فكان القرآن هو الكتاب الذي لم يعرف التاريخ البشري نصاً أوثق منه، شهد بذلك المؤمنون به وغير المؤمنين. يقول المستشرق "وليام يورك" قبل نحو قرنين من الزمان: "إن الكتاب المقدس الوحيد الذي حافظ على نصوصه نقيّة هو القرآن الكريم طوال اثني عشر قرناً".

 

لقد سبق القول أن هناك جانبين للحقيقة؛ جانبٌ عقليّ نصل إليه بالتفكير الصحيح والعقل السليم، وجانبٌ نقليّ نعرفه من الخبر الذي وصل إلينا والتوثّق من صدقه.

وطريقة النقل الشفهيّ التي تكاد لا توجد طريقة أوثق منها هي النقل المتواتر، وهو أن ينقل جمع عن جمع من الناس، ومثال هذا النقل حدثٌ كبير ذو شأن يحدث لجمع كبير من الناس، مثل غرق الباخرة "تايتانك" في مطلع القرن العشرين، فإن الناجين من مثل هذه الكارثة لن ينسوا قط ذلك اليوم وما حدث لهم فيه وما مرّوا به من أهوال، وسيروون ذلك بدقّة، وستكون رواياتهم متطابقة إلى حد كبير، ولو أن بعضهم خالف المجموعة في روايتها لعِلّة في صدقه أو دقّة روايته لظهر هذا الاختلاف ولأُسقطت الرواية المخالفة للمجموعة. ثم سيحدّث كلّ من هؤلاء الناجين أبناءه وأصحابه بما حدث، وسيحكي كل تفاصيلها، وسيكون لدى أبناء كثير منهم الرواية نفسها يروونها بعد خمسين سنة من حدوثها، ونحصل من روايات الأبناء المتطابقة بعد خمسين سنة، نقلاً عن روايات آبائهم الناجين، على خبر موثّق في حكم المؤكّد. وسيحكي بعد ذلك كلّ من هؤلاء الأبناء لأبنائه تلك القصة العظيمة التي عاشها أبوه (جدّهم) ورواها له بعد نجاته، وسيتذكر أولئك الأحفاد جيداً تلك القصة، وقد يجتمع يوماً جمع منهم فيؤلفون جمعيّة تجمع أحفاد الناجين من الكارثة، ويكتبون رواياتهم المتماثلة التي سمعها كل منهم من أبيه نقلاً عن جده الذي عاشها. هل يشكّ أحد في دقّة هذه الرواية التي نقلها جمع عن جمع من الناس وجاءت متطابقة؟ هل يمكن تخيّل طريقة في النقل البشري للأخبار بين أجيال متتابعة أكثر موثوقيّة من هذه الطريقة؟

يكاد يجمع مختلف المؤرخين أنه لا يوجد في التاريخ البشري نصّ وجد من الدقة والتوثق في النقل كالتي وجدها القرآن، ويؤكدون أن القرآن الذي بين أيدينا هو ذاته الذي كان بين يدي محمد وأصحابه. لو كان في ذلك أدنى شك لوصلت إلينا نسخ مختلفة من القرآن وهو ما لم يحدث أبداً.

لقد نُقل القرآن الكريم متواتراً، وهذه أوثق طرق النقل الشفهي قبل التدوين، وهي أن ينقله جمع كثير عن جمع كثير ممن عُرفوا بالصدق والضبط معاً، إضافة إلى الصحائف والرقاع التي كان الصحابة يكتبونها، إلى أن جُمع كلّه بعد وفاة النبي ، وانتهى إلى المصحف الذي اجتمعت عليه الأمة، المنسوب إلى عثمان رضي الله عنه الذي تمّ هذا الأمر في عهده. وهو نفس المصحف الذي بين أيدينا اليوم وتتفق الأمة كلّها عليه، حتى أن أحداً من الذين خرجوا عن مسارها الأصلي لم يطعنوا بصحة هذا القرآن ولا حتى بصحة آية منه.

وما أظن نفراً، ممّن طعنوا في أبي بكر وعمر، إلا ودّوا لو يذهبون بآية ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾[151]، الآية الباقية بين دفّتي الكتاب العزيز شاهدة على اصطفاء الله ورسوله للصدّيق ليكون رفيق رسول الله . فما كان أحد ليستطيع أن يبدّل حرفاً من هذا الكتاب وقد توثّق وحُفظ إلى يوم الدين. كيف لا يكون وقد تعهد الله بحفظه، ولا يخلف الله وعده.

 

 

ما وفّق الله إليه هذه الأمة

 

ولا يقلّل هذا اليقين الاستثنائي غير المسبوق في نقل القرآن الكريم الذي لم يتكرر أبداً مسجّلاً معجزة تاريخية باقية، لا يقلّل من عظمة العمل الفريد الذي بُذل في تمحيص ونقل أحاديث النبي . لقد بذل رجال الحديث في تمحيص أحاديث النبي أقصى الطاقة ووضعوا لهذا العلم أصوله وضوابطه وتتبّعوا أسانيد الأحاديث بدقّة متناهية لا مثيل لها.

لنأخذ هذه الصورة في نقل الخبر: لو أني حدثت ابني عبيدة بما كان قد حدّثني به أبي: أن بيتنا القديم في جبل اللويبدة في عمان الذي ولدتُ فيه، قد بناه عمّي بهجت رحمه الله عام 1950، وقد كان أبي المشرف على بنائه. ثم حدّث عبيدة ابنته زينب بهذه القصة. وكبرت زينب وروت هذا الخبر بعد روايته الأولى بخمسين سنة أو أكثر، فقالت: أن بيت العائلة قد بناه العم بهجت سنة 1950م وأشرف على بنائه جدّها الكبير مأمون، وذلك نقلاً عن أبيها عبيدة الذي عَرَفَتْه وتثق بصدقه ودقّته، كما يثق عبيدة بي وقد نقلت له هذا الخبر، وكما أثق بأبي الذي عرفته وعايشته طويلاً، وأثق ثقة كاملة بصدقه وسلامة نقله في الخبر الذي نقلته عنه. ألا نجد في رواية زينب رواية موثوقة؟

 مثال آخر: لو أن جدّي علي الطنطاوي رحمه الله، المتوفى قبل نحو عشر سنوات، كان قد حدثني ذات يوم: أن أباه الشيخ مصطفى قد حدّثه أنه سمع من أبيه الشيخ أحمد خبر قدومه من مصر إلى الشام مع عمّه الشيخ محمد (الفلكي) سنة 1255هجرية، ألا يمكنني كذلك الاطمئنان إلى صحة هذه القصّة وقد عرفت جدّي وخَبِرته وعلمت صدقه ودقّته؟ وكذلك هو مع أبيه، وأبوه مع الجد الكبير الذي انتقل مع عمه من مصر إلى الشام. ألا نجد في هذه الرواية رواية موثوقة؟

إن هذا النقل، الذي يسمى خبر الآحاد لما فيه من انفراد الرواة بالأخبار التي يتناقلونها، هو وسيلة موثوقة في النقل البشري للأخبار، ربما يزيد في موثوقيّته عن الوثيقة المكتوبة التي كان يتركها الآباء للأبناء، عندما لا يمكن الجزم في سلامتها من التزوير بغياب شهادة شاهد أو إثبات دامغ على صحّتها. ويزيد الاطمئنان إلى صحّة الأخبار المرويّة على هذا الشكل بوصول الخبر نفسه من عدة طرق، وهو ما حدث مع كثير من أحاديث السنة النبويّة. هذا وصف مبسّط لمنهج المحدّثين في تحرّي الأحاديث النبويّة وجمع ما صحّ منها.

لقد بذل المحدّثون جهوداً جبارة لجمع وتنقية مجموعة الأحاديث النبويّة من الشوائب التي اختلطت بها، ومن الأحاديث المكذوبة وضعيفة السند، فكانوا يدقّقون في سلسلة الرواة لكل حديث تدقيقاً شديداً، ويمحّصون كل راوٍ من حيث صدقه ومن حيث ضبطه ودقته، وكان الواحد منهم يرتحل أياماً ليأخذ حديثاً من راوٍ في بقعة قصيّة، وقد يترك رواية حديث لأقلّ علة يجدها في الراوي سواء كانت في عدالته أو في ضبطه.

 

لقد شاء الله منزل القرآن أن لا يجعل الشريعة كلّها في القرآن، فجعل أجزاء من الشريعة في سنة النبي . وإلى جانب القرآن، كتاب الهداية الذي أنزله الله على نبيّه معجزة باقية تهدي البشرية إلى الدين الحق في كل زمان ومكان، فقد لبث النبي يعلّم أصحابه ويفصّل أحكام الدين ومسائله إلى أن اختاره الله إلى جواره. وكما قرر القرآن أن الله متكفل بحفظه في الآية المعجزة ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾[152]، التي نزلت في وقت لم تكن البشرية قد حفظت أي نصّ من قبل حفظاً كاملاً، فقد قرّر القرآن أيضاً حقيقة ضخمة أخرى في الآية: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾[153]، فيقرّر القرآن الذي حفظه الله أن الشريعة في سنة النبي أيضاً، ويأمرنا الله أن نأخذ ما أمرنا به النبي ونطيع، ونترك ما نهانا عنه . ويستوقفنا أن الصلاة وهي الفريضة الكبرى في الدين التي أمر الله بإقامتها والمحافظة عليها في مواضع كثيرة من كتابه العزيز، لم يأت القرآن على تفصيل فروضها وأركانها وعدد ركعاتها وأوقاتها الخمسة، بينما أتى بتفصيل أعمال الوضوء مثلاً، وما كان ذلك يعجزه سبحانه وما كانت صفحات القرآن ستضيق عن مثل ذلك. لكن إرادة الله جل شأنه أن يجعل هذا الجزء الأساسي من الدين في سنة رسوله ، ومن ثم وفّق الله هذه الأمة إلى ما تفعله لتحفظ هذه السنة، وبحفظها حُفظ الدين.

وجميل أن تكون هذه الصورة واضحة بعيون عالم غربي مثل الدكتور "موريس بوكيه" إذ يقول: "ليس القرآن هو المصدر الوحيد للعقيدة والشريعة في الإسلام، بل إن السنة النبوية من أفعال النبي وأقواله هي المصدر الثاني الذي عني العلماء بطلبه تكملة للمصدر الأول، حتى أثناء حياة النبي فضلاً عن بعد وفاته. وكانت معلومات هذا المصدر الثاني تعتمد فقط على النقل الشفهي، لذلك فإن الذين بادروا إلى جمع هذه الأقوال والأفعال في نصوص قد قاموا بتحقيقات تتسم دائماً بالصعوبة كما هو الشأن في حكاية جميع الأحداث بعد انقضائها. ولهذا كان همهم الأول في عملهم العسير في مدوناتهم منصبّاً أولاً على دقة الضبط لهذه المعلومات الخاصة بكل حادثة في حياة محمد وبكل قول من أقواله. وللتدليل على ذلك الاهتمام بالدقة والضبط لمجموعات الأحاديث المعتمدة، فإنهم قد نصوا على أسماء الذين نقلوا أقوال النبي وأفعاله، وذلك بالصعود في الإسناد إلى الأول من أسرة النبي ومن صحابته من الذين تلقوا هذا المعلومات مباشرة من محمد نفسه. وذلك بغية الكشف عن حال الراوي في جميع سلسلة الرواية، والابتعاد عن الرواة غير المشهود لهم بحسن السيرة وصدق الرواية ونحو ذلك من دلائل ضعف الراوي الموجبة لعدم الاعتماد على الحديث الذي روي عن طريقه. وهذا ما قد انفرد به علماء الإسلام في كل ما روي عن نبيهم."[154]

ورغم عظمة السنة النبويّة وموثوقيّتها ومكانتها الإجماليّة في التشريع الإسلامي، لكن علماءنا الملتزمين بالمنهج العلمي والدليل والبرهان، لا يساوون بينها وبين القرآن في الموثوقية وقطعية الثبوت لحديث بعينه.

 

 

مبادئ في تبيّن السبيل القويم

 

بعد أن ظهرت فِرَق يزعم كلّ منها أنه على السبيل القويم، كيف نعرف السبيل؟ وكيف لا يضيع أصل الدين الصحيح وسط هذه المعمعة من فرق ومذاهب شتى يدّعي كلّ منهم رسالة القرآن وهدي النبيّ ؟ وهل تبيّن هذا السبيل الحق أمر عسير يشقّ الوصول إليه أم هو طريق واضح ميسور رؤيته والوصول إليه؟

كما عرفنا الله بالبرهان، وعرفنا دينه الحق بالبرهان، وبالبحث الصادق المتجرّد عن الحق، يستمرّ بحثنا الصادق المتجرّد عن الحق وما يحمله من برهان. وكما لم نقبل أن يكون طريق الحق الأساسي إرثاً، فلن نقبل أن يكون بقية الطريق إرثاً. تعس الذي يضيّع عمره في طريق لا يتبيّن الحق فيه، بل يحمله تعصّباً لقومه وحميّة جاهلية، حتى لو لبس لباس الحق وادّعاه.

 

هناك مبادئ وحقائق بديهيات أساسية نستدلّ بها على السبيل القويم، وتعيننا على تمييز هذه المذاهب وإبصار الحق الذي ننشده:

هذه المبادئ والحقائق والبديهيات:

 

       أولاً: إن القرآن الكريم هو جوهر هذه الرسالة والبيّنة الأساسية لهذا الدين، أنزله الله بلسان عربي مبين. وحفْظ القرآن كما وعد الله في كتابه هو أحد البراهين على هذا الكتاب وهذه الرسالة.

{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}[155]

o     لذلك فإن أي تشكيك في كمال هذا القرآن وحفظه، أو الحديث عن مصحف كامل غير الذي بين أيدينا، هو نقض للقرآن نفسه وتكذيب لله المتعهّد بحفظه، ومن أصدق من الله قيلا.

o     وأيّ فهم لكتاب الله يتجاوز الفهم السويّ للعربية التي نزل فيها هذا الكتاب، ولا يستند إلى دليل صحيح، هو فهم مردود.

 

       ثانياً: إن ما وفّق الله إليه الأمة من توثيق وحفظ ونقل حديث النبي ، هو القول الفصل في توثيق بقية الشريعة وتنقيتها من الأكاذيب، وأساس يفصل بين أهل الحق والفرق التي جانَبَتْه.

{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}[156]

o     من هنا فإن الذي لا يعترف بجملة السنة النبوية التي وُثّقت رواياتها وصُحّحت أحاديثها وتلقّتها الأمة بالقبول، دون أن يقدّم روايات موثّقة، هو بعيد عن الحق.

o     وأي رواية غير مؤيدة بإثبات على صحتها لا يُعتدّ بها، وتُعتبر مزوّرة حتى يثبت عكس ذلك.

o     وإن طرحْ مسائل أساسية من الدين ينقلها بعضهم مسبوقة بقولهم "قال أصحابنا"، أو متبوعة بقولهم "هذا دين آبائنا"، هو أمر لا يُقبل في دين العلم والبرهان.

 

       ثالثاً: إن رسالة الإسلام قد اكتملت في حياة النبي باكتمال نزول القرآن واكتمال الدين، وإن النموذج الأصلي الذي جسّده رسول الله وأصحابه في بناء المجتمع الإسلامي الأول في المدينة المنورة هو الصورة المثال والنموذج القياسي الذي تُقارن به أيّ صورة أخرى، وهذا اعتبار أساسي. كما أن الفهم والممارسة التي كان عليها سلف هذه الأمة -رغم أنه لا معصوم إلا رسول الله - هي بالجملة أقرب الاجتهادات إلى الحق.

﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا[157]

بناءً على ذلك:

o     فإن كلّ ما زاد على الدين بعد أن أكمله الله في حياة نبيّه، الأمين على رسالته، هو ليس من الدين، سواء كان في طرق لا تخرج صاحبها من دائرة الدين فهي طرق مبتدَعة، أم في مذهب يخرج بأصحابه إلى أصول مختلفة عن الأصول التي تركها لنا رسول الله .

o     وأيّ مذهب قامت أصوله في عهد متأخر هو غير ما كان عليه رسول الله وسلف هذه الأمة. ومجرّد إقرار أصحاب المذهب أن أصوله وُضعت بعد وفاة النبي الذي كملت الرسالة على يديه، هو إقرار ببطلان ما يدعون إليه، ولعلهم ينتبهون من غفلتهم ويعودون إلى المعين الأول الصافي.

o     والمذهب الذي يدّعي العصمة لغير رسول الله ، أو يدور حول إنسان غير النبي ، بما يتجاوز حدود الدعوة والاجتهاد والتجديد إلى وضع أصول جديدة للدين، هو غير الرسالة التي حملها رسول الله .

o     والمذهب الذي ينتقص من البناء الذي بناه رسول الله أو من أصحابه الذين علّمهم وربّاهم ووثق بهم ومات وهو راض عنهم هو غير مذهب الحق.

 

       رابعاً: لا يوجد في ديننا رجال دين، بل علماء تبوّؤوا مكانهم بعلمهم فقط، نستفتيهم ونسترشد بهم ونجلّهم لعلمهم لا لمنزلة موروثة لهم. ولا يوجد في ديننا معصوم غير رسول الله ، وليس لأحد عند الله شفاعة بعده عليه الصلاة والسلام.

وكما قال الإمام مالك: "كلّ يُؤخذ منه ويُردّ إلا صاحب هذا القبر" وأشار إلى قبر النبي .

o     لذلك فالاعتبار الأساسي لأي قول في الدين هو للدليل والبرهان وليس للجهة أو الشخص صاحب القول.

o     وأي رؤية للدين لا تستند إلى دليل معتمد من الأدلة الشرعية هي رؤية مبتدعة وضالة.

o     وليس هناك وسطاء إلى الله، بل كلّ مسلم متصلة حباله بالله بلا وسيط، وإن ضعفت نفسه وأخطأ يستغفر الله دون رجل دين يعترف إليه، وإن أراد أن يسأل الله في أي وقت رفع يديه إلى السماء وقال يا ربّ دون حاجة إلى وسيط بينه وبين الله.

o     ولا يملك أحد أن يعطي صك غفران لمذنب، وهو تطاول على الله أن يقول أحد بذلك وشرك بالله أن يصدّق أحد به ويقبله. ولا يكفِّر أحد من البشر مهما علت منزلته خطايا غيره من البشر، وكلّهم آتيه يوم القيامة فردا. وجلّ ما يستطيعه إنسان لآخر هو أن يدعو له ويستغفر.

o     ولا يوجد لرجال دين ولا غيرهم حق في أموال المسلمين، وليس على المسلمين ما يتجاوز الزكاة المفروضة بمصارفها المعروفة.

 

       وأخيراً: فإن هذا الدين متوافق تماماً مع العقل والفطرة السليمة، لأن مُنزله هو خالق هذا العقل والفطرة الإنسانية، فليس فيه ما يتعارض مع العقل ولا ما يصطدم مع الفطرة.

o     وإن رأينا ما يبدو تعارضاً رجعنا إلى مصادر الدين وأهل العلم وتبيّنا المسألة، فإن كانت مبتدعة في الدين ولا يوجد لها أصل صحيح عرفنا ذلك وتركناها.

o     وإن كنا قد فهمناها على غير وجهها الصحيح تبيّنّاها وفهمناها على وجهها الصحيح.

 

 

حقيقة ذات هامش عريض لا يترك مجالاً للشك

 

كل حقيقة لها هامش يفصلها عما قد يلتبس بها، هذا الهامش قد يكون واسعاً وقد يكون ضيّقاً. وكلّما اتسع هذا الهامش الذي يفصلها عن غيرها تكون الحقيقة أوضح وأنصع وأبعد عن الالتباس وتارك هذه الحقيقة أقلّ عذراً. والحقائق الكبيرة المعني بها كلّ الناس ينبغي أن تكون ذات هامش واسع لا تلتبس بغيرها.

في أسئلة الاختيارات المتعددة في امتحانات الدراسة، يجد الطلاب الممتحَنون مشقّة في الاختيارات المتقاربة من بعضها، ويضيقون بها وهم يتبيّنون الاختيار الصحيح بين خيارات متقاربة، بينما يجدون في الاختيارات المتفاوتة تفاوتاً كبيراً سهولة ووضوحاً في معرفة الخيار الصحيح.

 

هذه الحقيقة بكل أجزائها ذات هامش عريض يجعلها واضحة كالشمس. حقيقة الخالق لا تقارن في وضوحها وبرهانها بمقولات الملحدين الذين يفسّرون وجوداً غاية في التعقيد بمجرّد المصادفة. وحقيقة رسالة الإسلام وكتاب الله المحفوظ أربعة عشر قرناً؛ "القرآن الكريم"، المليء بالإعجاز، يقودنا إلى الحق، بفارق ضخم بين هذه الرسالة وكلّ ما سواها مما بقي من رسالات الله السابقة والنّحل الأخرى. وتتمة الحقيقة بعد ذلك أن كلّ خطوة لا يقرّرها إلا الدليل ولا شيء غير الدليل، سواء كان ذلك في المسار الرئيسي للدين الذي يميّزه عن المسارات الفرعية التي خرجت عنه، أو في أي مسألة من مسائله مهما كبرت أو صغرت.

ولا يصغر هامش الحقيقة ويضيق إلا في مسائل فرعية لا يضرّ الأمة أن تختلف فيها، وقد أذن الله لها أن تختلف فيها ويجتهد فيها كلّ عالم قدر طاقته، لأن هذا الاختلاف هو من طبيعة البشر التي فطر الله الناس عليها.

 

 

 

حياة في ظلال البرهان

 

والحقيقة الأخيرة العظيمة أن هذا الدين الحق كلّه دين دليل وبرهان وليس الطريق إليه فحسب.

 

لا يوجد في الإسلام رجال دين يحتكرون الحقيقة. إن كلّ طالب علم حقيقي يجد تحت يديه مصادر العلم الشرعي ويمكنه أن يراجع المسألة من مصادرها، كما يستطيع كلّ عالم بالشريعة في كل زمان ومكان أن يبحث أي مسألة وينظر في أدلّتها ويصل إلى الحكم فيها. والقول الفصل دائماً بين الآراء لا يكون إلا للدليل، وليس بناء على مكانة ومنزلة صاحب القول. لقد مارست الأمة هذه الحياة العلمية بموضوعيّة ونزاهة لقرون طويلة وما زالت تفعل، ولم يداخلها التعصّب للرأي إلا في عصور الجهل والانحطاط.

بل إن العالم الراسخ يستطيع في أي زمان أن يعيد بحث موضوع كامل من جذوره، فيعيد دراسة كل ما قيل فيه وأدلة كلّ قول، ويصفّي هذه الأقوال بين قويّ وضعيف وأحكام أصلية وأقوال متأخّرة لا دليل عليها أو مرتبطة بظروف خاصة لم تعد سارية، كما فعل العلامة الشيخ يوسف القرضاوي في كتابه الجديد العظيم "فقه الجهاد".

 

ومسائل الدين ليست على نفس الأهمية، والدليل وحده هو الذي يحسم مكان كل مسألة منها. توجد أصول وفروع للدين، وتوجد مسائل ثابتة محلّ إجماع ومسائل خلافيّة. والأصول تبقى أصولاً والفروع تبقى فروعاً، والمسألة المثبتة الواضحة تبقى مثبتة واضحة والمسألة الواهية تبقى واهية. والضجيج لا يغيّر الحجم الحقيقي للمسألة، وعندما يحمل بعضهم مسألة فرعية خلافيّة واهية عالياً ويعلو صوتهم فيها كثيراً، فإنها لا تصبح من أصول الدين ولا مسألة متفقاً عليها وتبقى مسألة فرعية خلافية واهية. هذا دين الدليل والبرهان.

 

 

قد وقفنا على أرض صلبة

 

عندما تعرض لنا شبهة لا يهتزّ إيماننا أمامها، كما لا نقول أننا سنغمض أعيننا ونسير كالعميان، بل نتبيّنها حتى تطمئن نفوسنا، ولا ننسى أننا نقف الآن على أرض صلبة.

أرأيتم لو عرفتم شخصاً عمراً طويلاً ووثقتم به ثقة كبيرة ولم تروا منه إلا خيراً لسنين طويلة، ثم سمعتم عنه أو رأيتم منه ما تنكرون كيف تتعاملون مع هذا الأمر؟ ألا ترون أنكم لن تنقضوا الثقة الطويلة بسهولة ب